ابو الشهداء الحسين بن علي - عباس محمود العقاد - الصفحة ١٠٦ - خلافة يزيد
و من عجائب الحيل التي تحاول بها الغرائز الإنسانيّة أن تبقى وجودها و تمضي لطيّتها، أنّ بني أميّة انتفعوا من حرب الإسلام للعصبيّة في تعزيز عصبيتهم، فجعلوها حجّة على بني هاشم: أنّ النبوّة لا تحصر الأمر فيهم، و أنّ الأنبياء لا يورّثون [١] .
و إذا نهضت هذه الحجّة على بني هاشم، فبنو أميّة أقوى المنتفعين بها من بطون عبد مناف!
و قد أوجبت الضرورة قبل المجاملة في هذه المنافسات فترة من الزمن على عهد معاوية بن أبي سفيان، فكان يلطف القول إلى أبناء علي و يواليهم بالهدايا و المجاملات، و لكنّه كان مضطرا إلى مجاملة آل علي و مضطرا إلى تنقّص علي و الغضّ من دعواه، فكان بذلك مضطرا إلى النقيضين في آن [واحد].
إنّه ملك، و بايع بالملك ليزيد و هو يعلم أنّه غالب بالسلاح و المال
[١] هذه هي مقالة الخليفة أبي بكر لفاطمة الزهراء عند ما طالبته بحقّها في فدك. لا حظ تاريخ اليعقوبي ٢: ١٢٧.
و لا يخفى أنّ القول: بأنّ الخلافة خرجت عن بني هاشم و أهل البيت لئلا يقال: إنّ خلافتهم ملك متوارث، و ما في معناه.
مردود: بأنّ الخلافة مقام و منصب ديني، و لن يتم و يحصل منها الغرض إلاّ إذا قام بها أخصّ الناس بالدين و أولاهم بالمسلمين، و لو كان لمثل هذا التخرّص حكم لما أوجب اللّه تعالى الصلاة على النبي صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و آل بيته :، و لما جعل لهم الخمس، و لما افترض على الأمّة حبّهم، فالجواب عن هذه الأمور هو الجواب عن الخلافة.
هذا على نحو الاختصار، و إلاّ فالمقام مقام كلام طويل جدّا طويت عنه كشحا.