ابو الشهداء الحسين بن علي - عباس محمود العقاد - الصفحة ٢٢٧ - نموت معك
عزائمه، كما ينفض الأسد غبرات الحصاء عن لبده [١] ، و لم يخامره الأسف قط في ذلك الموقف المرهوب إلاّ من أجل أحبّائه و أعزائه الذين يراهم و يرونه و يسمع صيحتهم و يسمعونه.
فقال و هو ينظر إلى الأخبية و من فيها: «للّه درّ ابن عبّاس فيما أشار به عليّ!» [٢] .
و جلس ليلة القتال في خيمته يعالج سهاما له بين يديه و يرتجز- و أمامه ابنه العليل-:
يا دهر أف لك من خليل # كم لك بالإشراق و الأصيل
من صاحب و ماجد قتيل # و الدهر لا يقنع بالبديل
و الأمر في ذاك إلى الجليل # و كلّ حيّ سالك سبيلي
فردّ ابنه عبرته لكيلا يزيده ألما على ألمه.
و سمعته أخته زينب، فلم تقو على حنانها و وجلها، و خرجت إليه من خبائها حاسرة تنادي: «وا ثكلاه!اليوم مات جدّي رسول اللّه و أمّي فاطمة الزهراء و أبي علي و أخي الحسن، فليت الموت أعدمني الحياة..
يا حسيناه!يا بقيّة الماضين و ثمالة الباقين!» .
فبكى لبكائها، و لم ينثن ذرّة عن عزمه الذي بات عليه، و قال لها:
- «يا أخت!لو ترك القطا لنام» [٣] .. و لم يزل يناشدها و يعزّيها، و هو
[١] لبدة الأسد: الزبرة من الشعر المتراكم بين كتفيه. (جمهرة اللغة ١: ٣٠١) .
[٢] الكامل في التاريخ ٣: ٢٨٧، البداية و النهاية ٨: ١٧٩.
[٣] هذا مثل يضرب للرجل يستثار لشيء فيثور.
راجع: جمهرة الأمثال ٢: ١٩٤-١٩٥ و ٤٣٢، مجمع الأمثال ٢: ١٦١.