ابو الشهداء الحسين بن علي - عباس محمود العقاد - الصفحة ٢٢٢ - الحرم المقدّس
و جيرتها، فتدخل في زمرة تلك الجيرة بغير حساب.
و شاءت مصادفة من المصادفات أن يساق إليها ركب الحسين بعد أن حيل بينه و بين كلّ وجهة أخرى، فاقترن تأريخها منذ ذلك اليوم بتأريخ الإسلام كلّه. و من حقّه أن يقترن بتأريخ بني الإنسان حيثما عرفت لهذا الإنسان فضيلة يستحقّ بها التنويه و التخليد.
فهي اليوم حرم يزوره المسلمون للعبرة و الذكرى، و يزوره غير المسلمين للنظر و المشاهدة، و لكنّها لو أعطيت حقّها من التنويه و التخليد، لحقّ لها أن تصبح مزارا لكلّ آدمي يعرف لبني نوعه نصيبا من القداسة و حظّا من الفضيلة؛ لأنّنا لا نذكر بقعة من بقاع هذه الأرض يقترن اسمها بجملة من الفضائل و المناقب أسمى و ألزم لنوع الإنسان من تلك التي اقترنت باسم كربلاء بعد مصرع الحسين فيها.
فكلّ صفة من تلك الصفات العلويّة التي بها الإنسان إنسان و بغيرها لا يحسب غير ضرب من الحيوان السائم.. فهي مقرونة في الذاكرة بأيام الحسين رضى اللّه عنه في تلك البقعة الجرداء.
و ليس في نوع الإنسان صفات علويات أنبل و لا ألزم له من الإيمان و الفداء و الإيثار و يقظة الضمير و تعظيم الحقّ و رعاية الواجب و الجلد في المحنة و الأنفة من الضيم و الشجاعة في وجه الموت المحتوم..
و هي-و مثيلات لها من طرازها-هي التي تجلّت في حوادث كربلاء منذ نزل بها ركب الحسين، و لم تجتمع كلّها و لا تجلّت قط في موطن من المواطن تجلّيها في تلك الحوادث، و قد شاء القدر أن تكون في جانب منها