ابو الشهداء الحسين بن علي - عباس محمود العقاد - الصفحة ٢٩٩ - عاشق الجمال
في عالم الجمال
عاشق الجمال
إذا لحقت السيرة بعالم المثال الذي يتطلّع إليه خيال الشعراء و تتغنّى به قرائح أهل الفنّ، فقد تنزّهت عن ربقة [١] الجسد و أصبحت صورة من الصور المثلى في عالم الجمال.
و من آيات الجمال أنّه يتحدّى المنفعة و يؤثر البطولة على السلامة.
فإذا تعلّقت القريحة بالجمال فلا جرم تزن الأمور بغير ميزان الحساب و الصفقات، فتعرض عن النعمة و هي بين يديها، و تقبل على الألم و هي ناظرة إليه، و تلزمها سجية العشق الآخذ بالأعنّة، فتنقاد له و لا تنقاد لنصيحة ناصح أو عذل عاذل؛ لأنّ المشغوف بالجمال ينشده و لا يبالي ما يلقاه في سبيله.
و قد تمثّلت سجيّة عاشق الجمال في كلّ شعر نظمه شعراء الحسين و ذويه تعظيما لهم و ثناء عليهم، فلم يتّجهوا إليهم ممدوحين و إنّما اتّجهوا إليهم صورا مثلى يهيمون بها كما يهيم المحبّ بصورة حبيبة، و يستعذبون من أجلها
[١] الربق: حبل فيه عدّة عرى تشدّ به البهائم. (صحاح اللغة ٤: ١٤٨٠) .