ابو الشهداء الحسين بن علي - عباس محمود العقاد - الصفحة ٢٩٣ - من الظافر؟
في حوزته، و لا يفهم كيف تضيق به كراهة الظلم و غيره العقيدة عن الاحتمال.
و شعوره هذا يحول بينه و بين الحكم الصحيح على حوادث التأريخ؛ لأنّه يحول بينه و بين انتظار هذه الحوادث حيث تنتظر لا محالة، و استبعادها حيث هي بعيدة عن التقدير.
فلم يحدث قط في مواجهة الظلم و انتزاع الدول المكروهة أن شعر الناس كما أرادهم الأستاذ أن يشعروا، أو فكّروا في الأمر كما أرادهم أن يفكّروا.
و مستحيل حدوث هذا أشدّ الاستحالة، و ليس قصاراه أنّه لم يحدث من قبل في حركات التأريخ.
فهذه الحركات التي تواجه الدول المكروهة لا تنتظر-و لا يمكن أن تنتظر-حتّى تربي قوّتها و عدّتها على ما في أيدي الدولة التي تكرهها من قوّة و عدّة.
و لكنّها حركة أو دعوة تبدأ بفرد واحد يجترئ على ما يهابه الآخرون، ثمّ يلحق به ثان و ثالث و رابع ما شاء له الإقناع و ضيق الذرع بالأمور، ثمّ ما ينالهم من نقمة، فيشيع الغضب و ينكشف الظلم عمّن كان في غفلة عنه، ثمّ يشتدّ الحرج بالظالم، فيدفعه الحرج إلى التخبّط على غير هدى، و يخرج من تخبّط غير غليظ أحمق إلى تخبّط أغلظ منه و أحمق.. فلا هم يقفون في امتعاضهم و تذمرهم، و لا هو يقف في بطشه و جبروته، حتّى يغلو به البطش و الجبروت، فيكون فيه و هنه و القضاء عليه.