ابو الشهداء الحسين بن علي - عباس محمود العقاد - الصفحة ٢٠٨ - بواعث الخروج
ينصر ملكا ينكر كلّ دعواه و لا يحمد له حالة من الأحوال.
و لا تنس-بعد هذا كلّه-أنّ هذا الملك كان يقرّر دعائمه في أذهان الناس بالغضّ من الحسين في سمعة أبيه و كرامة شيعته و مريديه.
فكانوا يسبّون عليّا على المنابر و ينعتونه بالكذب و المروق و العصيان، و كانوا يتحرّون أنصاره حيث كانوا، فيقهرونهم على سبّه و النيل منه بمشهد من الناس، و إلاّ أصابهم العنت و العذاب و شهّروا في الأسواق بالصلب و الهوان.
فمجاراة هذه الأمور كلّها في مفتتح ملك جديد معناه: أنّها سنّة قد وجبت و استقرّت الجيل بعد الجيل بغير أمل في التغيير و التبديل. فمن أقرّ هذه السنّة في مفتتح هذا الملك الجديد فقد ضعف أمله و ضعف أمل أنصاره فيه يوما بعد يوم، و ازداد مع الزمن ضعفا كما ازدادت حجّة خصومه قوّة عليه.
هذه هي البواعث النفسيّة التي كانت تجيش في صدر الحسين يوم دعاه أولياء بني أميّة إلى مبايعة يزيد و النزول على كلّ حقّ له و لأبنائه و لأسرته في إمامة المسلمين كائنا من كان القائم بالأمر و بالغا ما بلغ من قلّة الصلاح و بطلان الحجّة.
و هي بواعث لا تثنيه عن الخروج، و لا تزال تلحّ عليه في اتّخاذ طريق واحد من طريقين لا معدل عنهما، و هما: الخروج إن كان لا بدّ خارجا في وقت من الأوقات، أو التسليم بما ليست ترضاه له مروءة و لا يرضاه له إيمان.