ابو الشهداء الحسين بن علي - عباس محمود العقاد - الصفحة ٢٩١ - من الظافر؟
تروح و تأتي و تكثر حينا و تندر في غير ذلك من الأحيان.
أمّا حبّ المنفعة فإن سمّيته فضيلة فهو من الفضائل التي لن تفارق الأحياء أجمعين من ناطقة و عجماء.
***
على أنّ الطبائع الآدميّة قد أشربت حبّ الشهداء و العطف عليهم و تقديس ذكرهم بغير تلقين و لا نصيحة، و إنّما تنحرف عن سواء هذه السنة لعوارض طارئة أو باقية تمنعها أن تستقيم معها.
و أكثر ما تأتي هذه العوارض من تضليل المنفعة و الهوى القريب، أو من نكسة في الطبع تغريه بالضغن على كلّ خلق سوي و سجيّة سمحة محبّبة إلى الناس عامّة، أو من الإفراط في حبّ الدعة حتّى يجفل المرء من الشهادة استهوالا لتكاليفها و استعظاما للقدوة بها، فيتّهم الشهداء بالهوج و يتعقّب أعمالهم بالنقد لكيلا يتّهم نفسه بالجبن و الضعة و يستحقّ المذمّة و اللوم في رأي ضميره.
و إن لم يتّهمهم بالهوج و لم يتعقّبهم بالنقد وقف من فضائلهم موقف إزورار و فتور، و جنح إلى معذرة الآخرين و التفاهم بينه و بين من لا يستشهدون، ثمّ يعارضون الشهداء فيما يطمحون إليه.
و معظم المؤرّخين الذين يعارضون الشهداء و دعاتهم لغير منفعة أو نكسة هم من أصحاب الدعة المفرطة و أنصار السلامة الناجية، و يغلب على هذه الخلّة أن تسلبهم ملكة التأريخ الصحيح؛ لأنّها تعرّضهم للخطأ في الحكم و التفكير، كما تعرّضهم للخطأ في العطف و الشعور.