ابو الشهداء الحسين بن علي - عباس محمود العقاد - الصفحة ٢٢٤ - نموت معك
- «يا أبه!.. فإذن لا نبالي [١] !» .
و هكذا كانوا جميعا لا يبالون ما يلقون، ما علموا أنّهم قائمون بالحقّ و عليه يموتون.
و أراد الحسين-و قد علم أنّ التسليم لا يكون-أن يبقى للموت وحده و ألاّ يعرّض له أحدا من صحبه.
فجمعهم مرّة بعد مرّة و هو يقول لهم في كلّ مرّة: «لقد بررتم و عاونتم و القوم لا يريدون غيري، و لو قتلوني لم يبتغوا غيري أحدا.. فإذا جنّكم الليل فتفرّقوا في سواده و انجوا بأنفسكم» [٢] .
فكأنّما كان قد أراد لهم الهلاك و لم يرد النجاة، و فزعوا من رجائهم إيّاه كما يفزع غيرهم من مطالبتهم بالثبات و البقاء.
و قالوا له-كأنّهم يتكلّمون بلسان واحد-: «معاذ اللّه و الشهر الحرام.. ماذا نقول للناس إذا رجعنا إليهم؟أنقول لهم إنّا تركنا سيّدنا و ابن سيّدنا و عمادنا، تركناه غرضا للنبل و دريئة للرماح و جزرا للسباع، و فررنا عنه رغبة في الحياة؟!معاذ اللّه.. بل نحيا بحياتك و نموت معك» .
قالوا له: «نموت معك و لك رأيك» .. و لم يخطر لأحد منهم أن يزيّن له العدول عن رأيه إيثارا لنجاتهم و نجاته. و لو خادعوا أنفسهم قليلا لزيّنوا له التسليم و سمّوه نصيحة مخلصين يريدون له الحياة، و لكنّهم لم يخادعوا
[١] تاريخ أبي مخنف ١: ٤٤٦، إعلام الورى ١: ٤٥٠، الكامل في التاريخ ٣: ٢٨٢، نهضة الحسين ١١٥-١١٦.
[٢] الإرشاد ٢: ٩١-٩٢، إعلام الورى ١: ٤٥٥-٤٥٦، البداية و النهاية ٨: ١٧٦-١٧٧.