ابو الشهداء الحسين بن علي - عباس محمود العقاد - الصفحة ١٢٥ - اختلاف النشأة
سنة و أربع مائة سنة، ثمّ يبرز لك رجل من رجالها، فيخيّل إليك أنّ هذا الزمن الطويل لم يبعد قط بين الفرع و أصله في الخصال و العادات، كأنّما هو بعد أيام معدودات لا بعد المئات وراء المئات من السنين، و لا تلبث أن تهتف عجبا: إنّ هذه لصفات علوية لا شكّ فيها؛ لأنّك تسمع الرجل منهم يتكلّم و يجيب من يكلّمه، و تراه يعمل و يجزي من عمل له، فلا تخطئ في كلامه و لا في عمله تلك الشجاعة و الصراحة، و لا ذلك الذكاء و البلاغ المسكت، و لا تلك اللوازم التي اشتهر بها علي و آله، و تجمعها في كلمتين اثنتين تدلاّن عليها أوفى دلالة، و هما: «الفروسيّة و الرياضة» .
طبع صريح، و لسان فصيح، و متانة في الأسر يستوي فيها الخلق و الخلق، و نخوة لا تبالي ما يفوتها من النفع إذا هي استقامت على سنّة المروءة و الإباء.
فمن يحيى بن عمر إلى علي بن أبي طالب خمسة أو ستّة أجيال، و لكن يحيى بن عمر يوصف لك، فإذا هو صورة مصغّرة من صور علي بن أبي طالب على نحو من الأنحاء.
فمن أوصافه التي وصفه بها الكاتب الأموي أبو الفرج الأصبهاني: أنّه كان «رجلا فارسا شجاعا شديد البدن مجتمع القلب بعيدا عن رهق الشباب و ما يعاب به مثله» [١] .
و ممّا روى عنه: «أنّه كان مقيما ببغداد، و كان له عمود حديد ثقيل
[١] مقاتل الطالبيين ٤٢٠.
و الرهق: الخفّة و العربدة. (لسان العرب ٥: ٣٤٥) .