ابو الشهداء الحسين بن علي - عباس محمود العقاد - الصفحة ٢٥٥ - خسّة و وحشيّة
فوجم القوم مبهوتين و غلبت دموعهم قلوبهم.. فبكى العدو كما بكى الصديق!.
***
لم تنقض في ذلك اليوم خمسون سنة على انتقال النبي محمّد صلّى اللّه عليه و اله و سلّم من هذه الدنيا إلى حظيرة الخلود، محمّد الذي برّ بدينهم و دنياهم، فلم ينقل من الدنيا حتّى نقلهم من الظلمة إلى النور، و من حياة التيه في الصحراء إلى حياة عامرة يسودون بها أمم العالمين. ثمّ هذه خمسون سنة لم تنقض بعد، و إذا هم في موكب جهير يجوب الصحراء إلى مدينة بعد مدينة سباياه بنات محمّد حواسر على المطايا، و أعلامه رؤوس أبنائه على الحراب، و هم داخلون به دخول الظافرين!
و بقيت الجثث حيث نبذوها بالعراء «تسفي عليها الصبا» [١] .
فخرج لها مع الليل جماعة من بني أسد كانوا ينزلون بتلك الأنحاء..
فلمّا أمنوا العيون بعد يوم أو يومين سروا مع القمراء إلى حيث طلعت بهم على منظر لا يطلع القمر على مثله شرفا و لا وحشة في الآباد بعد الآباد.
و كان يوم المقتل في العاشر من المحرّم.. فكان القمر في تلك الليلة على و شك التمام.. فحفروا القبور على ضوئه، و صلّوا على الجثث و دفنوها، ثمّ غادروها هناك في ذمّة التأريخ [٢] .
[١] سفت الريح التراب: ذرته، و قيل: حملته. و الصبا: ريح معروفة تقابل الدبور.
راجع لسان العرب ٦: ٢٩٠ و ٧: ٢٨٤.
[٢] الإرشاد ٢: ١١٤، البداية و النهاية ٨: ١٨٩.