ابو الشهداء الحسين بن علي - عباس محمود العقاد - الصفحة ٧٧ - طبائع الناس
للفرص و المغانم العاجلة؛ لأنّهم خلقوا بفطرتهم على حساب أعمار تتجاوز حساب عمرهم القصير.
فهم-شعروا أو لم يشعروا-بعيد و النظر إلى عواقب الأمور و إن خيّل إلى الناس أنّهم طائشون متهجمون.
أمّا موقف المؤرّخين في العطف على حركات التأريخ فهو-على ما نرى-موقف مزاج من هذين المزاجين، و ليس بموقف سبيل من سبل البحث أو مذهب من مذاهب التفكير.
فالذين يجنحون بمزاجهم إلى المنفعة يفهمون أعذار المنتفعين و ينكرون ملامتهم على ناقديهم، و الذين يجنحون بمزاجهم إلى الأريحيّة يفهمون دوافع النخوة و يحسبونها عذرا لأصحابها أقوى من غواية المنافع و الأرزاق.
إلاّ أنّ الصواب هنا ظاهر جدّ الظهور لمن يريد أن يراه..
الصواب أنّ العطف على جانب المنفعة عبث لا معنى له و لا حكمة فيه، و أنّ العطف على جانب الأريحيّة واجب يخشى على الناس من تركه و إهماله؛ إذ كان تركه مناقضا لصميم الفطرة التي من أجلها فطر الناس على الإعجاب بكلّ ما يستحقّ الإعجاب.
فليس يخشى على الناس يوما أن ينسوا منافعهم و يقصّروا في خدمة أنفسهم، سواء عطف عليها المؤرّخون أو أعرضوا عنها ساخرين منكرين.
و لكنّهم يخسرون الأريحيّة إذا فقدوها و فقدوا الإعجاب بها و التطلّع إليها، و هي التي خلقت ليعجب بها الناس؛ لأنّ حرص الإنسان على منفعته لا يغنيهم في حياتهم العامّة أو في حياتهم الباقية.