محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٣٣٠
و السبب فيه ان تشريع الأحكام و جعلها منه سبحانه و تعالى لا محالة يكون على طبق الحكم و المصالح التي هي تقتضيه، بداهة ان جعل الحكم جزافاً و بدون مصلحة ينافي حكمة الباري تعالى فلا يمكن صدوره منه.
و على هذا الضوء فرفع الحكم الثابت في الشريعة المقدسة لموضوعه لا يخلو من أن يكون مع بقاء الحال على ما هو عليه من جهة المصلحة و علم الناسخ بها أو يكون من جهة البداء و كشف الخلاف كما يقع ذلك غالباً في الأحكام و القوانين العرفية و لا ثالث لهما، و الأول ينافي حكمة الحكيم المطلق فان مقتضى حكمته استحالة صدور الفعل منه جزافاً.
و من المعلوم ان رفع الحكم مع بقاء مصلحته المقتضية لجعله أمر جزاف فيستحيل صدوره منه و الثاني يستلزم الجهل منه تعالى و هو محال في حقه سبحانه.
فالنتيجة ان وقوع النسخ في الشريعة المقدسة بما أنه يستلزم المحال فهو محال لا محالة.
و الجواب عنها ان الأحكام المجعولة في الشريعة المقدسة من قبل الحكيم تعالى على نوعين: (أحدهما) ما لا يراد منه البعث أو الزجر الحقيقيّين كالاحكام الصادرة لغرض الامتحان أو ما شاكله.
و من الواضح أنه لا مانع من إثبات هذا النوع من الأحكام أولا ثم رفعه حيث ان كلا من الإثبات و الرفع في وقته قد نشأ عن مصلحة و حكمة فلا يلزم من رفعه خلاف الحكمة، لفرض ان حكمته - و هي الامتحان - قد حصلت في الخارج و مع حصولها فلا يعقل بقائه، و لا كشف الخلاف المستحيل في حقه تعالى حيث لا واقع له غير هذا. (و ثانيهما) ما يراد منه البعث أو الزجر الحقيقي يعني ان الحكم المجعول حكماً حقيقياً و مع ذلك لا مانع من نسخه بعد زمان، و المراد من النسخ كما عرفت هو