محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ١٠٧
ذلك، فان الموجب للتنافي في المقام ليس الا ظهور الدليل الأول في العموم، و من المعلوم ان المرتكز العرفي في أمثال ذلك هو رفع اليد عن عموم و تخصيصه بالدليل الثاني، لا حمل الأمر في الدليل الأول على الاستحباب فانه خارج عن المرتكز العرفي.
و على الجملة فالتنافي في المثال المزبور انما هو بين ظهور العام في العموم و ظهور الخاصّ في التخصيص به و عدم كون العام بعمومه مراداً و لا تنافي بين ظهور الخالص في التخصيص به و بين ظهور الأمر في طرف العام في الوجوب مع قطع النّظر عن ظهوره في العموم، و عليه فبطبيعة الحال يحمل العام على الخاصّ نظراً إلى أن ظهوره أقوى منه فيكون قرينة عليه عرفاً، كما هو الحال في جميع موارد تعارض الظهورات بعضها مع بعضها الآخر.
و أما التصرف في ظهور الأمر في طرف العام و حمله على الاستحباب فهو بلا ضرورة، تستدعيه و ان كان يرتفع به التعارض كما هو يرتفع بحمل أحدهما على التقية مع أنه لم يقل به أحد فيما نعلم أو بحمل الخاصّ على أفضل أفراد الواجب أو ما شاكل ذلك.
فالنتيجة في نهاية الشوط هي: ان كل ما يمكن به دفع التنافي و التعارض بين الدليلين لا يمكن الأخذ به ما لم يساعد عليه العرف و على ضوء هذا البيان يظهر ان ما أفاده شيخنا الأستاذ (قده) في المقام من رفع اليد عن كلا الإطلاقين و الرجوع إلى الأصل العملي لا يمكن المساعدة عليه بوجه، و ذلك لأن التعارض و ان كان يدفع بما ذكره (قده) إلا انك عرفت ان كل ما يمكن به دفع التعارض و التنافي بين الدليلين لا يمكن الأخذ به إلا فيما إذا ساعد عليه العرف يعني يكون الجمع بينهما جمعاً عرفياً و من الطبيعي ان رفع اليد عن كلا الإطلاقين فيما نحن فيه و الرجوع إلى