محاضرات في الأصول - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٣٣٤
اللَّه تعالى و سلطانه المطلق و ان وجود أي ممكن من الممكنات فيه منوط بمشيئته تعالى و أعمال قدرته فان شاء أوجده و ان لم يشاء لم يوجده، هذا من ناحية و من ناحية أخرى ان اللَّه سبحانه عالم بالأشياء بشتى أنواعها و أشكالها منذ الأزل و ان لها بجميع أشكالها تعييناً علمياً في علم اللَّه الأزلي و يعبر عن هذا التعيين بتقدير اللَّه مرة و بقضائه مرة أخرى.
و من ناحية ثالثة ان علمه تعالى بالأشياء منذ الأزل لا يوجب سلب قدرة اللَّه تعالى و اختياره عنها، ضرورة أن حقيقة العلم بشيء الكشف عنه على واقعه الموضوعي من دون أن يوجب حدوث شيء فيه فالعلم الأزلي بالأشياء هو كشفها لديه تعالى على واقعها من الإناطة بمشيئة اللَّه و اختياره فلا يزيد انكشاف الشيء على وقع ذلك الشيء، و قد فصلنا الحديث من هذه الناحية في مبحث الجبر و التفويض بشكل موسع.
فالنتيجة على ضوء هذه النواحي الثلاث هي أن معني تقدير اللَّه تعالى للأشياء و قضائه بها ان الأشياء بجميع ضروبها كانت متعينة في العلم الإلهي منذ الأزل على ما هي عليه من أن وجودها معلق على أن تتعلق المشيئة الإلهية بها حسب اقتضاء الحكم و المصالح التي تختلف باختلاف الظروف و التي يحيط بها العلم الإلهي.
و من ضوء هذا البيان يظهر بطلان ما ذهب إليه اليهود من أن قلم التقدير و القضاء حينما جرى على الأشياء في الأزل استحال ان تتعلق المشيئة الإلهية بخلافه.
و من هنا قالوا يد اللَّه مغلولة عن القبض و البسط و الأخذ و الإعطاء و وجه الظهور ما عرفت من ان قلم التقدير و القضاء لا يزاحم قدرة اللَّه تعالى على الأشياء حين إيجادها حيث انه تعلق بها على واقعها الموضوعي من الإناطة بالمشيئة و الاختيار فكيف ينافيها.