الهداية في الأصول - الصافي الإصفهاني، الشيخ حسن - الصفحة ١٣٦ - و قد قيل لإنكار المانعيّة ومقدّمية عدم أحد الضدّين للآخر وجوه
مقدّمة
لوجود الآخر أم لا؟ قلت: لا يمكن أن يتفوّه عاقل بأنّ مشغوليّة الجسم
بالبياض يوم الخميس مضادّة لمشغوليّته يوم الجمعة بالسواد، وقيام زيد في
هذا الآن معاند لقيامه في الآن الثاني، بل المضادّة يشترط في تحقّقها بين
شيئين ما يشترط في تحقّق التناقض من الوحدات الثمانية التي منها الوحدة في
الزمان، فالمضادّة إنّما هي بين بقاء الموجود والضدّ الآخر، ومن المعلوم
والمقرّر في محلّه أنّ البقاء هو وجود ثان في الآن الثاني، فحينئذ كما أنّ
الوجود الأوّل يحتاج إلى مقتض ولا يمكن أن يوجد بدونه كذلك الوجود الثاني،
فالجسم المشغول بالبياض في الآن الأوّل إذا اقتضى مقتض سواده في الآن
الثاني: فإمّا أن يكون المقتضي للبياض في هذا الآن موجودا أو لا، فإن لم
يكن، فواضح أنّ وجود السواد مستند إلى علّته ومقتضية لا غير، وإن كان،
فإمّا أن لا يترجّح أحد المقتضيين على الآخر أو لا، فإن كان الأوّل، فلا
يوجد شيء منهما، وعدم السواد مستند إلى وجود المقتضي للبياض، لا إلى نفس
البياض كما مرّ، وإن كان الثاني، فيوجد ما هو أقوى مقتضيا، وعدم الآخر أيضا
مستند إلى الابتلاء بالمعارض والمانع الّذي هو المقتضي للآخر، الأقوى منه،
لا وجود الآخر.
فظهر أنّ رفع أحد الضدّين لا يكون مقدّمة للآخر، كما أنّ دفعه لا يكون كذلك.
و منشؤ هذا الغلط السخيف لعلّه توهّم أنّ من المشاهد بالعيان بقاء الحجر
الموضوع على الأرض ما لم يرفع، فالبقاء لا يحتاج إلى مؤثّر بالحسّ والعيان،
والغفلة عن أنّ علّة البقاء هي جاذبيّة الأرض أو ضغط الهواء، وهي موجودة.
هذا كلّه في الأمور التكوينيّة، وأمّا الأفعال الإراديّة التي هي مورد الكلام: