حاشية المكاسب - الطباطبائي اليزدي، السيد محمد كاظم - الصفحة ٣٧ - القول في خيار الغبن
يتعيّن انتفاء أحدهما و لا دليل على كون المنفيّ هو الأوّل قلنا يتعيّن الأوّل بالإجماع على بطلان الثاني مع أنّه لو قطع النظر عن الإجماع يتعارض أدلّة لزوم البيع مع أدلّة تسلّط النّاس على ماله الّذي منه التفاوت و الترجيح مع الثاني لموافقة الكتاب على أنّه لو لا الترجيح لعمل بالأصل المقتضي لعدم اللزوم نعم يحصل الإشكال كما في القواعد و التذكرة في ما إذا بذل الغابن التفاوت و لذا قيل بعدم الخيار حينئذ اقتصارا في ما خالف الأصل الدالّ على لزوم العقد على المتيقّن المجمع عليه و المتحقق به الضّرر و ليس فيهما محلّ الفرض و احتمله بعض المتأخّرين و هو الأقوى لذلك خلافا للمشهور انتهى قلت أوّلا يمكن دعوى الإجماع على انتفاء الأرش مطلقا و أنّ المتعيّن هو الخيار و لو بذل التفاوت و ثانيا إنّ ما ذكره من تعارض أدلّة اللزوم مع أدلّة التّسلّط على تقدير صحّته يجري في هذه الصّورة أيضا فإنّه يلزم الغابن بأحد الأمرين من الأرش أو الالتزام بالفسخ و هذا أيضا مناف لقاعدة التّسلط على المال إذ مقتضاه سلطنته على عدم ردّ ما تملكه بالمعاملة و عدم بذل التفاوت و الحاصل أنّ المعارضة بين دليل اللزوم و دليل التسلّط إنّما هي بضميمة قاعدة الضرر و إلّا فلا معارضة بينهما و إذا كان كذلك فالأمر دائر بين رفع اليد عن دليل اللزوم و الحكم بالخيار أو رفع اليد عن دليل التسلّط و الحكم بإلزام الغابن بأحد الأمرين هذا مع أنّ قاعدة السلطنة إنّما تجري في الأموال الخارجيّة لا مثل المقام ممّا هو من مشغولية الذّمة بإعطاء التفاوت فالمعارض لأدلّة اللزوم أدلّة البراءة لا أدلّة السّلطنة ثمّ مع تساقط الدّليلين المرجع استصحاب الملكيّة لا أصالة عدم اللزوم هذا كلّه إن كان مراده تعارض الدّليلين بملاحظة نفي الضّرر كما هو الظاهر و أمّا لو أراد تعارض الضّررين بدعوى أنّ اللزوم ضرر على المغبون و الأرش ضرر على الغابن ففيه أنّ اللازم بعد تسليمه تساقطهما و الرّجوع إلى أصالة اللزوم ثمّ أقول إنّ الاحتمالات في المقام أزيد ممّا ذكره المصنف (قدّس سرّه) و ذلك لأنّه يحتمل أن يقال إنّ مقتضى نفي الضّرر تعيّن استرداد الزائد بمعنى فسخ البيع بالنّسبة إليه و يحتمل تعيّن استرداده على وجه الغرامة و يحتمل تخيّر المغبون بين الإمضاء بكلّ الثمن و الفسخ في الكلّ و يحتمل تخييره بين الفسخ و الأرش و يحتمل إلزام الغابن بأحد الأمرين من الالتزام بالأرش أو الفسخ و يحتمل تخيير المغبون بين الفسخ و عدمه إلّا مع بذل الغابن للتفاوت بمعنى أنّه لو بذل قبل الفسخ فليس له الفسخ و لكن للمغبون المسابقة إلى الفسخ قبل أن يبذل و يحتمل الحكم ببطلان البيع و يحتمل تخيير المغبون إلّا مع بذل التفاوت و لو من أجنبيّ فمع فرض جريان قاعدة الضّرر في المقام يدور الأمر بين هذه الاحتمالات الثمانية و لا يخفى توجيه كلّ من هذه الوجوه و لكن التحقيق أنّ مقتضى نفي الضّرر نفي الحكم الّذي يجيء من قبله الضرر لا جبران الضّرر بأيّ وجه حصل و بأيّ نحو كان و الحكم الذي يوجب الضّرر في المقام ليس إلّا اللزوم فلا بدّ من رفعه بإثبات الخيار و أمّا بذل التفاوت و عدمه فليس له دخل في إيجاب الضّرر بيان ذلك أنّ معنى قوله (ع) لا ضرر بعد حمله على إنشاء النفي ليعمّ الأحكام الوضعيّة و عدم حمله على النهي أنّ الحكم الثابت للموضوع الضّرريّ مع قطع النظر عن الضّرر مرفوع عنه لكن لا كلّ حكم بل الحكم الذي يوجب الوقوع بالضّرر و يستلزم عدم التخلّص عنه بعد الوقوع سواء قلنا إنّ المرفوع أوّلا هو الحكم بأن يكون معناه لا حكم ضرريّ مجعول أو إنّه الموضوع بلحاظ الحكم بأن يكون معناه أنّ الموضوع الضّرريّ مرفوع الحكم إذ على التقديرين يكون المرفوع هو الحكم الثابت للموضوع الضرريّ الّذي لو لم يرفع يستلزم وقوع المكلّف في الضّرر من قبل الشارع كما لو أوجب الوضوء حال الضّرر أو عدم إمكان التخلّص عنه كما لو باع مغبونا فإنّه بمجرّد البيع قد وقع في الضّرر فلو أوجب الشارع عليه الوفاء لا يمكنه التخلّص عنه بالفسخ نعم لو لم يمكن رفع الضّرر إلّا بإثبات حكم آخر أو نفي حكم آخر لا دخل له بالموضوع الضّرريّ وجب إثباته أو نفيه مثلا لو غصب شخص مال غيره فهذا ضرر و الشارع لا يمضيه بل يوجب عليه الردّ و يرخّص للمغصوب منه إجباره على ذلك و لو تلف المال في يده أو أتلفه يجعل ذمّته مشغولة بالمثل أو القيمة و إلّا لزم الضّرر بمعنى أنّ عدم الضّرر حكم ضرريّ و إن شئت قلت إنّ قاعدة الضّرر قد
ترفع الحكم عن الموضوع الضّرري إن كان ذلك الحكم هو الموجب للضّرر و قد تثبت حكما له إن كان عدم الإثبات موجبا كما في إتلاف مال الغير فإنّ عدم جعل الضّمان حكما لهذا الموضوع يستلزم الضّرر ثمّ إنّ الموضوع الضّرريّ إن كان له حكم واحد يرتفع الضّرر برفعه فهو المتعيّن للرّفع و إن كان له حكمان يرتفع الضّرر برفع أحدهما فإن كان بينهما ترتّب فالمرفوع هو المتأخّر و إلّا فهو أحدهما لا على التعيين و كذا في كلّ مقام كان هناك حكمان أو أحكام يلزم الضّرر من ثبوت جميع و يرفع برفع أحدهما ففي ما نحن فيه نقول إنّ البيع المغبون فيه موضوع ضرريّ و له حكمان أحدهما الصحّة و الآخر اللزوم و الضّرر إنّما يلزم من ثبوت كليهما لكن اللزوم متأخّر طبعا عن الصّحة فهو المتعيّن للرّفع و أمّا بذل التفاوت فهو و إن كان رافعا للضّرر سواء كان من باب الغرامة أو من باب الهبة المستقلّة من الغابن أو من بيت المال أو من الأجنبيّ إلّا أنّ عدمه ليس من أحكام البيع حتّى يقال بأنّ ذلك الحكم مرفوع و أنّه يجب عليه بذل التفاوت و قد عرفت أنّ مقتضى القاعدة رفع الحكم عن الموضوع الضّرريّ لا جبران الضّرر بأيّ وجه كان فبذل التفاوت جبران للضّرر و لا دخل له بالمعاملة الضّرريّة أصلا نعم لو فرض كون المعاملة صحيحة و لازمة على وجه لا يمكن تغييرهما بأن قام الإجماع على الصّحة و اللزوم انحصر رفع الضّرر حينئذ في إثبات الأرش و لو كان حكما آخر إذ حينئذ يكون البيع الواقع من قبيل إتلاف مال الغير الذي لا يمكن تداركه إلّا بالضّمان و بالجملة فشأن القاعدة رفع الحكم عن الموضوع الضّرريّ إن كان الحكم الثابت له مع قطع النظر عن الضّرر موجبا له و إثبات حكم آخر له إن كان عدم الإثبات موجبا له فاللزوم الثابت مع قطع النظر عن الضّرر لما كان هو الموجب للضّرر فهو المرفوع و لو فرض في مقام عدم إمكان رفعه بأن قام الإجماع أو دليل آخر قطعيّ على اللزوم نقول حينئذ إنّ الموجب للضّرر في هذا الفرض عدم جعل الأرش فلا بدّ من جعله حكما للموضوع الّذي هو البيع و ممّا بيّنا ظهر جواب ما يمكن أن يقال كما أنّ اللزوم موجب للضّرر كذلك الصحّة و ارتفاعه يمكن برفع كلّ منهما فما المعيّن لكون المرفوع هو اللزوم بل يمكن دعوى أنّ الصحّة أولى بالرّفع لأنّها المحدث للضّرر و إلّا فمع عدم الصّحة لا ضرر أصلا فإنّا نقول إنّ مقتضى القاعدة إثبات كلّ حكم حكم إلى أن يصل إلى حدّ الضّرر فالصّحة من حيث هي لا مانع منها و إن كانت بل المحدثة للضّرر مع أنّ إحداثها له ممنوع بل المحدث هو الإيجاد الإنشائي للبيع و بعد الحكم بالصّحة لا يمكن الحكم باللزوم لأنّه ضرري