نظرية الحكم في الإسلام - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ٣٦٦ - الأمر الأول تقسيم القضايا الشرعية
فإنّ وجوب الحج وكذا وجوب الصلاة في مقام إبراهيم أثناء الحج: حكمان شرعيّان تعلّقا بأمرين خارجيين معيّنين؛ هما: بيت الله في الحكم الأوّل، ومقام إبراهيم في الحكم الثاني، وبما أنّ الموضوع الذي تعلّق به الحكمان أمر خارجي معيّن فالقضيّة يصطلح عليها أنّها «قضيّة خارجيّة».
والمقصود «القضايا الحقيقية»: الأحكام التي يصدرها الشارع على أُمور في ذاتها، من دون أن يلحظ وجودها الواقعي في الخارج، فيكون الحكم الشرعي غير معلّق على وجود أمر في الخارج، كقوله تعالى:
وَ لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ[١].
وَ قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ[٢].
وَ لا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ[٣].
فإنّ الموضوع الذي تعلّقت به هذه الأحكام لم يفترض فيه وجوده الخارجي، بل الحكم قد تعلّق به بذاته، وُجد في الخارج أم لم يوجد، فالسفيه- في ذاته سواءٌ أكان هناك سفيه في الخارج أم لم يكن- محكوم عليه بالحجر وعدم إتيانه المال، و الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ محكوم عليه بجواز القتال أو وجوبه، ولم يقصد بذلك فردخاصّ أو مجموعة معيّنة مفروضة الوجود في الخارج، فالحكم جارٍ وإن لم يوجد بالفعل مهاجمون مقاتلون، وكذلك الأمر في قوله: وَ لا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ، فإنّ الحكم بعدم جواز
[١] سورة النساء: ٥.
[٢] سورة البقرة: ١٩٠.
[٣] سورة البقرة: ٤٢.