نظرية الحكم في الإسلام - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ٣٢٥ - القسم الأول
والمفهوم من ظاهر الآية أنّ قيام الناس بالقسط متوقّف على إنزال الكتاب والميزان، ونتيجة متفرّعة عليه، ممّا يدلّ على أنّ قيام الناس بالقسط لا يحصل إلّا بإنزال الكتاب والميزان، فلابدّ لكلّ من يتولّى أمر الحكم نيابة عن الرسول وخلفائه أن يملك من الكتاب والميزان القدر الميسور المتاح للإنسان غير المعصوم؛ ليتيسّر له قيادة الناس للقيام بالقسط. والقدر المتاح للإنسان غير المعصوم من علم الكتاب هو معرفة الأحكام الشرعية التفصيلية عن أدلّتها، وهو ما يعبّر عنه «الفقاهة» أو «الاجتهاد»، والقدر المتاح للإنسان غير المعصوم من قوّة الميزان هو ملكة العدل التي هي عبارة عن: رسوخ صفة التقوى في النفس رسوخاً يجعل صدور المعصية من الإنسان ممتنعاً عادة.
ثمّ إنّ الآية الكريمة وإن لم تكن بصدد التشريع مباشرة بل بصدد الإخبار عن حقيقة تاريخيّة، وقد تضمّن هذا الإخبار: الإشارة إلى علاقة واقعية تكوينيّة بين إنزال الكتاب والميزان من جهة، وبين قيام الناس بالقسط من جهة أُخرى، غير أنّ كون المخبر مشرّعاً من جهة- وليس من شأن المشرّع الإخبار المحض- ومعلومية وجوب قيام الناس بالقسط في تشريعه من جهة أُخرى: يعطي لكلامه هذا دلالة عرفية على أنّ قادة الناس للقيام بالقسط لا يجوز- في هذا التشريع إن لم يكونوا أنبياء أو معصومين- إلّا أن يكونوا عالمين بالكتاب، بقدر ما يتاح لهم من العلم بالكتاب، ومتّصفين بالميزان بالقدر الذي يتاح لهم من ذلك أيضاً، ولهذا فهذه الآية تدلّ على اشتراط «العدالة» في وليّ الأمر، بل وعلى اشتراط «الفقاهة» فيه أيضاً.