نظرية الحكم في الإسلام - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ١٠١ - الآية الأولى
تعالى، فإنّ خفايا الناس، وحقيقة ما ينطوون عليه من الأعمال والنوايا؛ لا يعلمها إلّا الله جَلَّ وَعَلا. وقد ورد التأكيد على ذلك في كتاب الله، إذ قال تَبَارَكَ وَتَعَالى: فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى[١]. أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ[٢]. وقد حكى حال بعض المنافقين، وأكّد على أنّ الرسول لا يعرفهم ولا يعلمهم: وَ مِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ[٣]. فهؤلاء المنافقون- وهم من أجلى مصاديق الظالمين- لم يكن ظلمهم معلوماً للناس، حتّى خفي على الرسول الأعظم (ص)؛ وهو أعلم الناس بالناس، وأعلمهم بما يصلحهم وما يفسدهم، وأعلمهم بمقاييس العدل والظلم وحدودهما، فإذا كان ظلم هؤلاء المنافقين ونفاقهم، قد خفي على رسول الله فما بالك بغيره من الناس؟ إذن فلا يُعرف ظلم الناس وعدلهم- على واقعه وحقيقته- إلّا من قِبَل الله جَلَّ وَعَلا.
وبعد هذه المقدّمات نقول:
إنّ الآية الكريمة موضوعة البحث- وَ إِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ ..- دلّت على تعيين الله سُبحَانَهُ وَتَعَالى الأئمّة على الناس من «آل إبراهيم» على مدى الأزمان والعصور القادمة، وقد وصف الأئمّة الذين نالوا شرف الإمامة من قِبل الله تَبَارَكَ وَتَعَالى بوصف لا يُعلم إلّا من قِبله جَلَ
[١] سورة النجم: ٣٢.
[٢] سورة النساء: ٤٩.
[٣] سورة التوبة: ١٠١.