المعاد في ضوء الدين و العقل و العلم - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢١٧ - ٧٤ - رد ما استدل لعموم تجسم العمل
جملة من الأيات و الرويات.
وجه الدلالة: أن نشأة الآخرة بعد لم تبرز حتى تتجسم الأعمال فيها، بل لم يوجد أعمال جميع المكلّفين فى هذه النشأة أيضاً، فكيف وجدت الجنّة و جهنم فعلًا.
ثم إن هذه الدعوى إن تمّت لتمّت فى خصوص العقاب الاخروى.[١] و أمّا العقاب الدنيوى كما فى الحدود فلا مسرح لها، كما لا يخفى.
و لعمرى إن حديث التجسم بنحو العموم بحيث تكون الجنّة و النار و ما فيهما مجسمة أعمالنا لامن مادة أخرى مخلوقة لله تعالى، مقطوع البطلان بلحاظ دلالة القرآن.
نعم، لا مانع من الإلتزام به فى الجملة من جهة قوله تعالى: «وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً» الكهف: ٤٩ بشهادة قوله: «وَ لا يَظْلِمُ» و بعض آيات اخرى، و من جهة الروايات إن اوجبت وثوقنا سنداً و دلالةً.
الأمر الثانى: فى تصحيح العقاب به على تقدير تماميته، فنقول: العمل الصادر من العبد إمّا علة تامّة لإفاضة الصورة من قبل اللَه تعالى، بحيث لا يمكن التخلف عنه، أم لا، بل الإفاضة بإختيار الواجب و إرادته، و على كلا التقديرين فلحوق المجسم المذكور بالعامل إما ضروري لا يمكن انفكاكه عنه، و إما ممكن و تابع لإرادة اللَه تعالى. هذه إحتمالات أربعة، أحدها باطل قطعاً، و هو فرض أن العمل علة تامّة لإفاضة الصورة، و كون لحوقها بالعامل ضرورياً.
وجه البطلان: أن الشفاعة و التوبة و العفو الإلهى و أمثالها المتقدمّة فى المباحث الماضية، مما يسقط الذنوب بلا إشكال، و الإحتمال المذكور لا يجامع سقوط الذنب على الفرض، فيكون باطلًا قطعاً. و أيضاً قد تقدم- فى محله- أن الله فاعل مختار يمكنه الفعل و الترك، و المستفاد من الآيات الكثيرة أن العذاب و الثواب بإرادة الله و مشيئته، فبطلان هذا الإحتمال فليكن مفروغاً عنه. (فافهم).
[١] - بأن يدعى أنه جزاءً طبيعى لا وضعى.