المعاد في ضوء الدين و العقل و العلم - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٢٨ - وخلاصة كلامى هنا أمران
الشواهد النقلية و العقلية و لاسيّما بملاحظة بعض الاصول العلمية المؤيدة[١] صحيح أم لا؟ و على الاول فجميع المجازات و المكافات البرزخية و الأخروية (فى كرة الحساب وكرة النار وكرة الجنة) من القسم الثانى و لا معاقب خارجي له؟! و لعلّه بل الظاهر أنه قسم ثالث و هو عينية العمل و الجزاء بانقلاب العمل الى الجزاء فأقسام المجازات ثلاثة.
أقول: تجسّم العمل له بحث طويل بكلا معنييه و بدلائله العقلية و النقلية و قدكتبوا حوله كثيراً و قد ذكرته مختصراً فيما مضى.[٢]
وخلاصة كلامى هنا أمران:
الأوّل: أنه لا دليل يدلّ على عموم تجسّم كل عمل صالح و معصية، و إن شئت فقل لا دليل قاطع على أن الدار الآخرة بمواقفها فى كرة الساهرة (كرة الحساب) وكرة النار و زقومها و انواع عقوباتها وكرات الجنات و نعمائها وحورها و غلمانها و مأكولاتها و مشروباتها من الماء و الخمر و العسل و اللبن كلها من أعمال الخير و الشر من المكلفين من الجن و الإنس.
و العمدة فى ذلك أنّ الجنة و النار بحسب ظواهر بعض الآيات الكريمة و أحاديث المعراج موجودتان بالفعل و لعلّه قبل خلق الإنسان. ثمّ هنا أمر آخر و هو التردّد فى تبدّل الأعمال الصالحات الكثيرة بمقدار نعماء مادية تكفي لشهر واحد للمؤمن فى الجنة، فضلًا عن كفاية التذاذ دهر بها فى الجنة والله العالم. و القدر المتيقن من تجسّم العمل المستفاد من ظواهر بعض الآيات و الروايات المعتبرة سنداً هو مفاد الموجبة الجزئية.[٣]
[١] - و هو تبدل المادة بالطاقة كما هو واقع فى الدنيا و تبدل الطاقة( انرجى) بالمادة فى القيامة. و فى التأييد نظر.
[٢] - انظر كتاب تجسم العمل لمؤلفه محمد أمين الرضوى السلدوزى فانه مفيد فى هذا الفصل.
[٣] - وقوله تعالى: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَ ما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ .. آل عمران: ٣٠ و قوله تعالى:« وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً» الكهف: ٤٩ و أمثالها مطلق لاعموم فيها و القدر المتيقن من هذا القسم هو الموجبة الجزئية. و أمّاقوله تعالى:« فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ، وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ» الزلزال: ٧ و ٨ ففى دلالته على تجسّم العمل أو تمثّله نظر. لاحتمال رؤية الإنسان فى كرة الحساب نفس عمله و ان كان عرضاً و لا دليل على بطلانه فان شرائط تلك الكرة و شرائط أبداننا المتجددة غير متساوية مع الشرائط الحاكمة اليوم و لا أقل من الشك فى التساوى. و هكذا فى النظر الى الأعمال. والله العالم.
وكذا قوله تعالى:« لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا» ق: ٢٢ موجبة جزئية أو قضية مهملة. وأمّا الآيات الدالة على الجزاء من الله بسبب أعمالهم ففيه وجهان: الاول الحمل على الآيات الدالة على التجسّم أو التمثّل. و الثانى على الجزاء الاعتبارى فى بعض الأعمال لتكون كلتا الطائفتين من الآيات سيقتا بنحو الموجبة الجزئية و مورد الجزاء الجعلى مثلًا هو ترك الواجبات اذ يحتمل أن نية العصيان المجرد لاتجسّم و ان كانت موجبة للعقاب و نية الحرام تجسّم لأجل الحرام الوجودى. ورهذا أمر محتمل والله العالم.