كنز الدعاء - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٢٠١ - ج - المناجاة المأثورة عن الإمام زين العابدين عليه السلام
حينَئِذٍ موقِنٌ بِأَنَّ مُنتَهى دَعوَتِكَ إلَى الجَنَّةِ، ومُنتَهى دَعوَتِهِ إلَى النّارِ.
سُبحانَكَ، ما أعجَبَ ما أشهَدُ بِهِ عَلى نَفسي، واعَدِّدُهُ مِن مَكتومِ أمري، وأَعجَبُ مِن ذلِكَ أناتُكَ عَنّي، وإبطاؤُكَ عَن مُعاجَلَتي، ولَيسَ ذلِكَ مِن كَرَمي عَلَيكَ، بَل تَأَنِّياً مِنكَ لي، وتَفَضُّلًا مِنكَ عَلَيَّ لِأَن أرتَدِعَ عَن مَعصِيَتِكَ المُسخِطَةِ، واقلِعَ عَن سَيِّئاتِيَ المُخلِقَةِ، ولِأَنَّ عَفوَكَ عَنّي أحَبُّ إلَيكَ مِن عُقوبَتي. بَل أنَا- يا إلهي- أكثَرُ ذُنوباً، وأَقبَحُ آثاراً، وأَشنَعُ أفعالًا، وأَشَدُّ فِي الباطِلِ تَهَوُّراً، وأَضعَفُ عِندَ طاعَتِكَ تَيَقُّظاً، وأَقَلُّ لِوَعيدِكَ انتِباهاً وَارتِقاباً مِن أن احصِيَ لَكَ عُيوبي، أو أقدِرَ عَلى ذِكرِ ذُنوبي.
وإنَّما اوَبِّخُ بِهذا نَفسي طَمَعاً في رَأفَتِكَ الَّتي بِها صَلاحُ أمرِ المُذنِبينَ، ورَجاءً لِرَحمَتِكَ الَّتي بِها فَكاكُ رِقابِ الخاطِئينَ.
اللَّهُمَّ وهذِهِ رَقَبَتي قَد أرَقَّتهَا الذُّنوبُ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، وأَعتِقها بِعَفوِكَ، وهذا ظَهري قَد أثقَلَتهُ الخَطايا، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، وخَفِّف عَنهُ بِمَنِّكَ.
يا إلهي، لَو بَكَيتُ إلَيكَ حَتّى تَسقُطَ أشفارُ عَينَيَّ، وَانتَحَبتُ حَتّى يَنقَطِعَ صَوتي، وقُمتُ لَكَ حَتّى تَتَنَشَّرَ قَدَمايَ، ورَكَعتُ لَكَ حَتّى يَنخَلِعَ صُلبي، وسَجَدتُ لَكَ حَتّى تَتَفَقَّأَ[١] حَدَقَتايَ، وأَكَلتُ تُرابَ الأَرضِ طولَ عُمُري، وشَرِبتُ ماءَ الرَّمادِ آخِرَ دَهري، وذَكَرتُكَ في خِلالِ ذلِكَ حَتّى يَكِلَّ لِساني، ثُمَّ لَم أرفَع طَرفي إلى آفاقِ السَّماءِ استِحياءً مِنكَ، مَا استَوجَبتُ بِذلِكَ مَحوَ سَيِّئَةٍ واحِدَةٍ مِن سَيِّئاتي.
وإن كُنتَ تَغفِرُ لي حينَ أستَوجِبُ مَغفِرَتَكَ، وتَعفو عَنّي حينَ أستَحِقُّ عَفوَكَ، فَإِنَّ ذلِكَ غَيرُ واجِبٍ لي بِاستِحقاقٍ، ولا أنَا أهلٌ لَهُ بِاستيجابٍ، إذ كانَ جَزائي مِنكَ في أوَّلِ ما عَصَيتُكَ النّارَ، فَإِن تُعَذِّبني فَأَنتَ غَيرُ ظالِمٍ لي.
إلهي، فَإِذ قَد تَغَمَّدتَني بِسِترِكَ فَلَم تَفضَحني، وتَأَ نَّيتَني بِكَرَمِكَ فَلَم تُعاجِلني،
[١]. الفقء- بالهمزة-: الشقّ( مجمع البحرين: ج ٣ ص« فقأ»).