كنز الدعاء - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٢١٣ - ج - المناجاة المأثورة عن أمير المؤمنين عليه السلام في طلب الأمان
وسَعدَيكَ، وَالخَيرُ في يَدَيكَ، أنَا يا سَيِّدِي المُسرِفُ عَلى نَفسي، قَد وَقَفتُ مَوقِفَ الأَذِلّاءِ المُذنِبينَ العاصينَ المُتَجَرِّئينَ عَلَيكَ، المُستَخِفّينَ بِوَعدِكَ ووَعيدِكَ، اللّاهينَ عَن طاعَتِكَ وطاعَةِ رَسولِكَ، فَأَيَّ جُرأَةٍ اجتَرَأتُ عَلَيكَ! وأَيَّ تَغَرُّرٍ غَرَّرتُ بِنَفسي! فَأَنَا المُقِرُّ بِذَنبِي، المُرتَهَنُ بِعَمَلِي، المُتَحَيِّرُ عَن قَصدِي، المُتَهَوِّرُ في خَطيئَتِي، الغَريقُ في بُحورِ ذُنوبِي، المُنقَطَعُ بي، لا أجِدُ لِذُنوبي غافِراً، ولا لِتَوبَتي قابِلًا، ولا لِنِدائي سامِعاً، ولا لِعَثرَتي مُقيلًا، ولا لِعَورَتي ساتِراً، ولا لِدُعائي مُجيباً غَيرَكَ.
يا سَيِّدي، فَلا تَحرِمني ما جُدتَ بِهِ عَلى مَن أسرَفَ عَلى نَفسِهِ وعَصاكَ ثُمَّ تَرَضّاكَ، ولا تُهلِكني إن عُذتُ بِكَ ولُذتُ، وأَنَختُ بِفِنائِكَ وَاستَجَرتُ بِكَ. إن دَعوَتُكَ يا مَولايَ فَبِذلِكَ أمَرتَني وأَنتَ ضَمِنتَ لي، وإن سَأَلتُكَ فَأَعطِني، وإن طَلَبتُ مِنكَ فَلا تَحرِمني.
إلهِي! اغفِر لي وتُب عَلَيَّ وَارضَ عَنّي، وإن لَم تَرضَ عَنّي فَاعفُ عَنّي، فَقَد لا يَرضَى المَولى عَن عَبدِهِ ثُمَّ يَعفو عَنهُ. لَيسَ تُشبِهُ مَسأَلَتي مَسأَلَةَ السُّؤّالِ، لِأَنَّ السّائِلَ إذا سَأَلَ ورُدَّ ومُنِعَ امتَنَعَ ورَجَعَ، وأَ نَا أسأَ لُكَ والِحُّ عَلَيكَ بِكَرَمِكَ وجودِكَ وجَنابِكَ، مِن رَدِّ سائِلٍ مُستَعطٍ يَتَعَرَّضُ لِمَعروفِكَ، ويَلتَمِسُ صَدَقَتَكَ، ويُنيخُ بِفِنائِكَ، ويَطرُقُ بابَكَ.
وعِزَّتِكَ وجَلالِكَ- يا سَيِّدي- لَو طَبَّقَت ذُنوبي بَينَ السَّماءِ وَالأَرضِ، وخَرَقَتِ النُّجومَ، وبَلَغَت أسفَلَ الثَّرى، وجاوَزَتِ الأَرَضينَ السّابِعَةَ السُّفلى، وأَوفَت عَلَى الرَّملِ وَالحَصى، ما رَدَّنِي اليَأسُ عَن تَوَقُّعِ غُفرانِكَ، ولا صَرَفَنِي القُنوطُ[١] عَنِ انتِظارِ رِضوانِكَ.
إلهي وسَيِّدي! دَلَلتَني عَلى سُؤالِ الجَنَّةِ، وعَرَّفتَني فيهَا الوَسيلَةَ إلَيكَ، وأَ نَا أتَوَسَّلُ إلَيكَ بِتِلكَ الوَسيلَةِ مُحَمَّدٍ وآلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِم أجمَعينَ، أفَتَدُلُّ عَلى خَيرِكَ ونَوالِكَ السُّؤّالَ، ثُمَّ تَمنَعُهُم وأَنتَ الكَريمُ المَحمودُ في كُلِّ الأَفعالِ، كَلّا وعِزَّتِكَ يا مَولايَ، إنَّكَ أكرَمُ مِن ذلِكَ وأَوسَعُ فَضلًا.
[١]. القنوط: هو أشدّ اليأس من الشيء( النهاية: ج ٤ ص ١١٣« قنط»).