كنز الدعاء - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٢٠٠ - ج - المناجاة المأثورة عن الإمام زين العابدين عليه السلام
وأَ نَا الَّذي بِجَهلِهِ عَصاكَ، ولَم تَكُن أهلًا مِنهُ لِذاكَ.
هَل أنتَ- يا إلهي- راحِمٌ مَن دَعاكَ فَابلِغَ فِي الدُّعَاءِ، أم أنتَ غافِرٌ لِمَن بَكاكَ فَاسرِعَ فِي البُكاءِ، أم أنتَ مُتَجاوِزٌ عَمَّن عَفَّرَ لَكَ وَجهَهُ تَذَلُّلًا، أم أنتَ مُغنٍ مَن شَكا إلَيكَ فَقرَهُ تَوَكُّلًا.
إلهي، لا تُخَيِّب مَن لا يَجِدُ مُعطِياً غَيرَكَ، ولا تَخذُل مَن لا يَستَغني عَنكَ بِأَحَدٍ دونَكَ.
إلهي، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، ولا تُعرِض عَنّي وقَد أقبَلتُ عَلَيكَ، ولا تَحرِمني وقَد رَغِبتُ إلَيكَ، ولا تَجبَهني بِالرَّدِّ وقَدِ انتَصَبتُ بَينَ يَدَيكَ.
أنتَ الَّذي وَصَفتَ نَفسَكَ بِالرَّحمَةِ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وآلِهِ، وَارحَمني، وأَنتَ الَّذي سَمَّيتَ نَفسَكَ بِالعَفوِ فَاعفُ عَنّي.
قَد تَرى- يا إلهي- فَيضَ دَمعي مِن خِيفَتِكَ، ووَجيبَ قَلبي مِن خَشيَتِكَ، وَانتِفاضَ جَوارِحي مِن هَيبَتِكَ، كُلُّ ذلِكَ حَياءٌ مِنكَ لِسوءِ عَمَلي، ولِذاكَ خَمَدَ صَوتي عَنِ الجَأرِ[١] إلَيكَ، وكَلَّ لِساني عَن مُناجاتِكَ. يا إلهي فَلَكَ الحَمدُ، فَكَم مِن عائِبَةٍ سَتَرتَها عَلَيَّ فَلَم تَفضَحني، وكَم مِن ذَنبٍ غَطَّيتَهُ عَلَيَّ فَلَم تَشهَرني، وكَم مِن شائِبَةٍ[٢] ألمَمتُ بِها فَلَم تَهتِك عَنّي سِترَها، ولَم تُقَلِّدني مَكروهَ شَنارِها[٣]، ولَم تُبدِ سَوءاتِها لِمَن يَلتَمِسُ مَعايِبي مِن جِيرَتي، وحَسَدَةِ نِعمَتِكَ عِندي، ثُمَّ لَم يَنهَني ذلِكَ عَن أن جَرَيتُ إلى سوءِ ما عَهِدتَ مِنّي.
فَمَن أجهَلُ مِنّي- يا إلهي- بِرُشدِهِ، ومَن أغفَلُ مِنّي عَن حَظِّهِ، ومَن أبعَدُ مِنّي مِنِ استِصلاحِ نَفسِهِ حينَ انفِقُ ما أجرَيتَ عَلَيَّ مِن رِزقِكَ فيما نَهَيتَني عَنهُ مِن مَعصِيَتِكَ، ومَن أبعَدُ غَوراً فِي الباطِلِ، وأَشَدُّ إقداماً عَلَى السُّوءِ مِنّي حينَ أقِفُ بَينَ دَعوَتِكَ ودَعوَةِ الشَّيطانِ، فَأَتَّبِعُ دَعوَتَهُ عَلى غَيرِ عَمىً مِنّي في مَعرِفَةٍ بِهِ ولا نِسيانٍ مِن حِفظي لَهُ، وأَ نَا
[١]. جَأَر الرجلُ إلى اللَّه عزّ وجّل إذا تضرّع بالدعاء( لسان العرب: ج ٤ ص ١١٢« جأر»).
[٢]. الشَّائِبَة: واحِدة الشَّوائِبِ، وهي الأَقذارُ والأَدناسُ( لسان العرب: ج ١ ص ٥١٢« شوب»).
[٣]. الشَّنار: العيب والعارُ( لسان العرب: ج ٤ ص ٤٣٠« شنر»).