كنز الدعاء - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ١٩٨ - ج - المناجاة المأثورة عن الإمام زين العابدين عليه السلام
بِسوءِ مَا اكتَسَبتُ، وهَل يُنجيني مِنكَ اعتِرافي لَكَ بِقَبيحِ مَا ارتَكَبتُ، أم أوجَبتَ لي في مَقامي هذا سُخطَكَ، أم لَزِمَني في وَقتِ دُعايَ مَقتُكَ. سُبحانَكَ، لا أيأَسُ مِنكَ وقَد فَتحتَ لي بابَ التَّوبَةِ إلَيكَ، بَل أقولُ مَقالَ العَبدِ الذَّليلِ، الظّالِمِ لِنَفسِهِ المُستَخِفِّ بِحُرمَةِ رَبِّهِ.
الَّذي عَظُمَت ذُنوبُهُ فَجَلَّت، وأَدبَرَت أيّامُهُ فَوَلَّت، حَتّى إذا رَأى مُدَّةَ العَمَلِ قَدِ انقَضَت، وغايَةَ العُمُرِ قَدِ انتَهَت، وأَيقَنَ أنَّهُ لا مَحيصَ لَهُ مِنكَ، ولا مَهرَبَ لَهُ عَنكَ، تَلَقّاكَ بِالإِنابَةِ، وأَخلَصَ لَكَ التَّوبَةَ، فَقامَ إلَيكَ بِقَلبٍ طاهِرٍ نَقِيٍّ، ثُمَّ دَعاكَ بِصَوتٍ حائِلٍ خَفِيٍّ. قَدتَطَأطَأَ لَكَ فَانحَنى، ونَكَّسَ رَأسَهُ فَانثَنى، قَد أرعَشَت خَشيَتُهُ رِجلَيهِ، وغَرَّقَت دُموعُهُ خَدَّيهِ.
يَدعوكَ بِيا أرحَمَ الرّاحِمينَ، ويا أرحَمَ مَنِ انتابَهُ المُستَرحِمونَ، ويا أعطَفَ مَن أطافَ بِهِ المُستَغفِرونَ، ويا مَن عَفوُهُ أكثَرُ مِن نَقِمَتِهِ، ويا مَن رِضاهُ أوفَرُ مِن سَخَطِهِ، ويا مَن تَحَمَّدَ إلى خَلقِهِ بِحُسنِ التَّجاوُزِ، ويا مَن عَوَّدَ عِبادَهُ قَبولَ الإِنابَةِ، ويا مَنِ استَصلَحَ فاسِدَهُم بِالتَّوبَةِ، ويا مَن رَضِيَ مِن فِعلِهِم بِاليَسيرِ، ويا مَن كافى قَليلَهُم بِالكَثيرِ، ويا مَن ضَمِنَ لَهُم إجابَةَ الدُّعاءِ، ويا مَن وَعَدَهُم عَلى نَفسِهِ بِتَفَضُّلِهِ حُسنَ الجَزاءِ.
ما أنَا بِأَعصى مَن عَصاكَ فَغَفَرتَ لَهُ، وما أنَا بِأَلوَمِ مَنِ اعتَذَرَ إلَيكَ فَقَبِلتَ مِنهُ، وما أنَا بِأَظلَمِ مَن تابَ إلَيكَ فَعُدتَ عَلَيهِ.
أتوبُ إلَيكَ في مَقامي هذا تَوبَةَ نادِمٍ عَلى ما فَرَطَ مِنهُ، مُشفِقٍ مِمَّا اجتَمَعَ عَلَيهِ، خالِصِ الحَياءِ مِمّا وَقَعَ فيهِ، عالِمٍ بِأَنَّ العَفوَ عَنِ الذَّنبِ العَظيمِ لا يَتَعاظَمُكَ، وأَنَّ التَّجاوُزَ عَنِ الإِثمِ الجَليلِ لا يَستَصعِبُكَ، وأَنَّ احتِمالَ الجِناياتِ الفاحِشَةِ لا يَتَكَأَّدُكَ[١]، وأَنَّ أحَبَّ عِبادِكَ إلَيكَ مَن تَرَكَ الاستِكبارَ عَلَيكَ، وجانَبَ الإِصرارَ، ولَزِمَ الاستِغفارَ، وأَ نَا أبرَأُ إلَيكَ مِن
[١]. يَتَكَأَّدُكَ: أي يَصْعُبُ عليك ويَشُقُّ( النهاية: ج ٤ ص ١٣٧« كأد»).