موسوعة الاذان - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٣٣٥
وعليه فلا يصحّ ما قاله البعض من عدم صحّة تلك الأخبار أو نسخها أو ، بل الأمر يرجع إلى أمور أعمق مما يقولون ، والحوادث التاريخية تؤكّد ما قلناه .
إنّ متابعة السير التاريخيّ للأذان وما آل إليه في « حيّ على خير العمل » يكشف لنا عن أُمور عديدة متمادية الأطراف ترجع جذورها إلى عهد رسول الله ٠ . ويمكن تلمّس ذلك بوضوح من خلال دراسة التاريخ والسيرة والحديث ، وهذه المسألة من الأهميّة بمكان ، بحيث إنّك كلّما بحثت في مسألة من مسائلها تفتّحت لك أبواب مسائل أُخرى ذات ارتباط عميق بها ، ولا يمكنك تركها أو التهاون بها ، فالمسألة أكبر من كون « حيّ على خير العمل » شعار الشيعة و« الصلاة خير من النوم » شعار السنّة .
صحيح أنَّ الحركات التغييريّة التي قادها الشيعة عبر فترات التاريخ المختلفة تُبيِّنُ أنَّهم قد أظهروا مسألة « حيّ على خير العمل » في الأذان كعنصر تحدٍّ وتعاملوا معها كشعار لهم ـ كما حصل في الدولة الفاطميّة في مصر ، والدولة الزيدية في طبرستان ، والبويهية في بغداد ، والحمدانية في حلب ـ إلّا أنَّ ذلك لا يتجاوز ظاهر المسألة .
ذلك أنّ مصادر الحديث والتاريخ والسيرة تُظِهر لنا بأنّ « حيّ على خير العمل» لها ج ذور وأصالة شرعيّة ، فهي أوسع من أن تتضيق في زاوية كونها شعار فرقة أو طائفة أو مذهب .
نعم ، كان بلال يؤذِّن بها في عهد رسول الله ٠ ، وقد أذّن مرّة أو مرّتين للزهراء والحسنين في زمن أبي بكر ولم يُتمّ أذانه . ويظهر من جمع الأدلة المارّة وما قلناه أنّه كان يؤذن بـ « حيّ على خير العمل » ، ولذلك امتنع عن الأذان في زمن الشيخين أبي بكر وعمر ؛ إذ جاء في الخطط للمقريزيّ ( ت ٨٤٥ هـ ) وغيره : ( وأنَّ عمر أراده أن يؤذِّن له فأبى عليه )[٨١٩] لماذا ؟!
[٨١٩] الخطط المقريزية ٢ : ٢٧٠ - وانظر الفصل الثاني من هذا الباب « حذف الحيعلة ، وامتناع بلال عن التأذين » .