موسوعة الاذان - الشهرستاني، السيد علي - الصفحة ٢٧٢
أن يذهب إلى الشام كي يرابط على ثغور المسلمين ، أو أنّه قال : لا أطيق أن أؤذّن بعد رسول الله ٠ ، أو غير ذلك ؟
إنّ الدقّة في معرفة سير الأحداث تفرض علينا أن نقول : إنّ ترك بلال للأذان لم يكن لمجرّد حالة نفسية وردّة فعل تجاه وفاة رسول الله ٠ ، لأنّ بلالاً كان أتقى وأورع من أن يترك منصباً نصبه فيه رسول الله ٠ طيلة حياته ، ذلك لأنّ النبيّ ٠ لم ينصّبه مؤذِّناً شخصيّاً له ، بل أعطاه دور مؤذّن الإسلام ، فكيف يترك هذا الدَّور الشريف لمجرّد موت النبيّ ٠ ؟! وهو أعلم الناس بما قاله رسول الله صلیاللهعلیهوآلهوسلم في فضل الأذان والمؤذنين .
بل كيف تعقل صياغة عذر ترجيحه للجهاد في الشام على التأذين للمسلمين ، مع أنّ الرسول الأكرم ٠ أمر المسلمين أن ينضووا تحت لواء أُسامة وفيهم أبو بكر وعمر وغيرهما من الصحابة ، ومن الثابت أنّ بلالاً كان مستثنى من هذا الأمر الجهادي ، حيث أطبق التاريخ والمـؤرّخون على أنّه كان عند رسـول الله ٠ يؤذّن له حتّى آخر لحظة من لحظات حياته الشريفة ، فكيف تـرك التـأذين ورجّح الجهاد ؟!
إن هذا ما لا يعقل في حق بلال ، خصوصاً وأنّه لم يُعهد عنه اتخاذه موقفاً مرتبكاً عند موت النبيّ ٠ كما حدث ذلك لعمر بن الخطّاب[٦٩٥] ، بل تلقّى الحادث كباقي المسلمين بألم وأسى ، واضعاً نصب عينيه قوله تعالى : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [٦٩٦] ، وقوله تعالى : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [٦٩٧] .
[٦٩٥] تاريخ الطبري ٣ : ٢٠٢ ـ ٢٠٣ في أحداث سنة ١١ هـ ، وأُسد الغابة ٣ : ٢٢١ -
[٦٩٦] آل عمران : ١٤٤ -
[٦٩٧] الزمر : ٣٠ -