الإمام المهدى« عليه السلام» و الظواهر القرآنية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣١٢ - الهجرة والغياب الحسّي عن المجتمعات الفاسدة
إقداماً مؤثّراً، كذلك ما قصَّته سورة الشعراء:(فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (الشعراء: ٢١)، وفي يونس أيضاً مرَّت الآيات الكريمة أنَّه عندما خرج من قومه عندما استعصوا عليه عاود في التدبير الإلهي:(وَ أَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ* فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ) (الصافات: ١٤٧ و ١٤٨)، وأيضاً كانت هجرة النبيّ يونس وغيابه عنهم نوعاً من التدبير أيضاً، بحيث آل بهم الأمر إلى الإيمان:(فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ مَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ) (يونس: ٩٨).
فهذه هي سيرة متكرّرة في الأنبياء، وكذلك في سيرة سيّد الأنبياء، وإن كانت هذه يمكن اعتبارها ظاهرة ثامنة، ولكن بشكل مشترك نريد أن نسلّط الضوء على الجهة التي يتساوى عندها الأنبياء. نلاحظ أيضاً في سيرة سيّد الأنبياء محمّد صلى الله عليه وآله هجرته عندما أرادت قريش أن تبيده وتصفّيه، فهنا كانت سُنّة الله وهي الهجرة، وقبل هجرته غاب في الغار صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أيّام، إلى أن أذن الله له بالظهور والخروج، فهذا ليس انكفاء وانحساراً وفراراً حقيقةً، وإنَّما هو استعادة تدبير واستعادة قوى ونظم برمجي لنفس القيام بمسؤولية ومسار أداء الواجب الإلهي وإنجاز الأهداف الإلهية، وكذلك في أمر النبيّ المسلمين بالهجرة إلى الحبشة، وكانت مؤقّتة، وكذلك لإخفاء النبيّ للدعوة الإسلاميّة إلى أن أمره الله عز وجل بأن يصدع بالأمر.
فنرى أنَّ هناك سُنّة إلهية مشتركة في جميع الأنبياء هي الهجرة أو الغياب، وهي في الحقيقة إعادة إقدام بشكل قوي مدبَّر، ولكي ينجز الظفر والنصر، طالت هذه الهجرة أم قصرت، كما في النبيّ عيسى فهي الآن قد طالت، لكن بتدبير من الله وحكمة، وكما في النبيّ نوح، حيث تستعرض لنا رواية أخرى عنهم عليهم السلام إبطاء نوح عليه السلام وأنَّه لمَّا استنزل العقوبة على قومه من السماء بعد أن