الإمام المهدى« عليه السلام» و الظواهر القرآنية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣١٣ - الهجرة والغياب الحسّي عن المجتمعات الفاسدة
طال الأمد، أسفر الصبح عن الليل، وصرح الحقّ عن محضه، وصفي الإيمان من الكدر، ليصدق وعده بأن يستخلف في الأرض الذين أخلصوا التوحيد والإيمان واعتصموا بحبل الولاء، ويمكّن لهم دينهم [١]، يعني هناك سُنّة إلهية في الامتحان
[١] كما ورد في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: (... وأمَّا إبطاء نوح عليه السلام: فإنَّه لمَّا استنزلت العقوبة على قومه من السماء بعث الله عز وجل الروح الأمين عليه السلام بسبع نويات، فقال: يا نبيّ الله، إنَّ الله تبارك وتعالى يقول لك: إنَّ هؤلاء خلائقي وعبادي ولست أبيدهم بصاعقة من صواعقي إلَّا بعد تأكيد الدعوة وإلزام الحجّة، فعاود اجتهادك في الدعوة لقومك، فإنّي مثيبك عليه، وأغرس هذه النوى، فإنَّ لك في نباتها وبلوغها وإدراكها إذا أثمرت الفرج والخلاص، فبشّر بذلك من تبعك من المؤمنين. فلمَّا نبتت الأشجار وتأزَّرت وتسوَّقت وتغصَّنت وأثمرت وزها التمر عليها بعد زمان طويل استنجز من الله سبحانه وتعالى العدة، فأمره الله تبارك وتعالى أن يغرس من نوى تلك الأشجار ويعاود الصبر والاجتهاد، ويؤكّد الحجّة على قومه، فأخبر بذلك الطوائف التي آمنت به، فارتدَّ منهم ثلاثمائة رجل، وقالوا: لو كان ما يدَّعيه نوح حقّاً لما وقع في وعد ربّه خلف. ثمّ إنَّ الله تبارك وتعالى لم يزل يأمره عند كلّ مرَّة بأن يغرسها مرَّة بعد أخرى إلى أن غرسها سبع مرَّات، فما زالت تلك الطوائف من المؤمنين ترتدّ منه طائفة بعد طائفة إلى أن عاد إلى نيف وسبعين رجلًا، فأوحى الله تبارك وتعالى عند ذلك إليه، وقال: يا نوح الآن أسفر الصبح عن الليل لعينك حين صرح الحقّ عن محضه وصفي الأمر للإيمان من الكدر بارتداد كلّ من كانت طينته خبيثة، فلو أنّي أهلكت الكفّار وأبقيت من قد ارتدّ من الطوائف التي كانت آمنت بك لما كنت صدقت وعدي السابق للمؤمنين الذين أخلصوا التوحيد من قومك واعتصموا بحبل نبوّتك بأن أستخلفهم في الأرض وأمكّن لهم دينهم وأبدّل خوفهم بالأمن، لكي تخلص العبادة لي بذهاب الشكّ من قلوبهم، وكيف يكون الاستخلاف والتمكين وبدل الخوف بالأمن منّي لهم مع ما كنت أعلم من ضعف يقين الذين ارتدّوا وخبث طينهم وسوء سرائرهم التي كانت نتائج النفاق، وسنوح الضلالة، فلو أنَّهم تسنَّموا منّي الملك الذي أوتي المؤمنين وقت الاستخلاف إذا أهلكت أعداءهم لنشقوا روائح صفاته، ولاستحكمت سرائر نفاقهم، تأبّدت حبال ضلالة قلوبهم، ولكاشفوا إخوانهم بالعداوة، وحاربوهم على طلب الرئاسة، والتفرّد بالأمر والنهي، وكيف يكون التمكين في الدين و انتشار الأمر في المؤمنين مع إثارة الفتن وإيقاع الحروب، كلَّا وَ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَ وَحْيِنا).-