الإمام المهدى« عليه السلام» و الظواهر القرآنية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٨٥ - هل يدعو القرآن للسفسطة؟
لأجل نوع من المشاغبة الحسّية لتلك الحجج مثلًا، ولو نظر الإنسان وبصر إلى طرفي شارع ممتد طولًا إلى الأفق يرى الواقف في الحقيقة أن طرفي الشارع وجنبتيه في نهاية امتداده في الأفق قد التقتا وكأنَّما أصبح كالمثلث، ولكن هل العقل يصدّق هذه الصورة البصرية التي يلتقطها الحسّ؟ بالتأكيد لا يمكن أن يصدّقها العقل؛ وذلك لأنَّ البرهان قد قام لدى العقل على خلاف ما يتراءى في الحسّ، فهذا لا يعني أنَّ الحسّ لا يعوَّل عليه، لكن إذا قام البرهان الذي يفوق حجّية الحسّ فإنَّه يعوّل على ذلك البرهان، فالتعويل على الحسّ محدود لا مطلق ولا منحصر فيه.
مثال آخر نضربه في الحسّ: أنَّه لو مسك شخص شعلة من النار وأدار تلك الشعلة بقوّة، فماذا سيبصر الإنسان الناظر لذلك المحرّك والحامل للشعلة، سيرى أنَّ الشعلة من بعيد كحلقة نارية، لكن هل العقل يصدّق أنَّ هناك حلقة نارية؟ كلَّا، لا يصدّقها العقل؛ لأنَّه يعلم بأنَّ هذه الشعلة هي واحدة كنقطة، لكن بسرعة دورانها تكون في خلايا شبكية العين والبصر بنحو تعاقبي صوراً متعدّدة للنار فتلتئم فيتراءى في خداع البصر لدى الإنسان أنَّ هناك حلقة نارية. هذه ليست تشكيكات في الحسّ تؤدّي إلى السفسطة، كلَّا، فهذه الأمور ليست ظواهر ولا شواهد للطعن في الحسّ مطلقاً، ولا إسقاط الحسّ عن المعرفة ومصدر المعرفة من رأس بالمرَّة، كلَّا وليس الحال كذلك كما يقول السفسطائيون، وإنَّما هذه الظواهر وهذه البيانات من القرآن الكريم ومن تجربة عقل البشر تبيّن وتبرز أنَّ الحسّ ليس المصدر الوحيد للمعرفة، بل المعرفة البشرية في الحقيقة لها مصادر ومنابع متعدّدة أخرى، هذه حقيقة.
وحقيقة ثانية هي أنَّ تلك المصادر للمعرفة قد تعلو الحسّ رتبةً، ولا توافق حجّية الحسّ عندما تتصادم مؤدّيات ونتائج تلك الحجج مع