الإمام المهدى« عليه السلام» و الظواهر القرآنية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٠٨ - الظاهرة السابعة الإمام المهدي عليه السلام وهجرة الأنبياء وغيبتهم
المعلن إلى النشاط الخفي، كي يُفسح له المجال بشكل أرحب وأوسع ليمارس أداء دوره، فهذه سُنّة إلهية في كلّ الأنبياء، كما في النبيّ إبراهيم، ومرَّ بنا في النبيّ عيسى، فلمَّا اعتزلهم وما يعبدون أيَّده بالنصر الإلهي؛ لأنَّ أسباب القوى ومعادلات القوّة تجتمع وتتركَّز لديه في حركته وانطلاقه ونشاطه وأدائه، بخلاف ما يكون علناً ومكبَّلًا ومقيَّداً، وهذه نظرية أمنية في السُنّة الإلهية للأنبياء والرسل والمصلحين الإلهيين يبيّنها القرآن الكريم، وهي الآن في البشرية أصبحت من أبجديات العلم السياسي والعلم الأمني والعلم الاستراتيجي، وكذلك في سورة العنكبوت ترد الهجرة والغيبة النسبية للنبيّ إبراهيم:(فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَ قالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي) (العنكبوت: ٢٦)، انكفاء وانحسار سطحي في الحسّ المعلن، لا في الحقيقة، وإلَّا فالنبيّ إبراهيم عاد بعد ذلك مظفراً مؤيّداً منصوراً بأن قَلَبَ المجتمعات في الشرق الأوسط وبما فيها العراق أيضاً من الملّة الوثنية إلى الملّة الحنيفية المسلمة، وهذا عمل عظيم جبّار قام به شيخ الأنبياء وهو النبيّ إبراهيم، ولا تستطيع مئات وعشرات الدول أن تقلب عادات وأعراف المجتمعات فضلًا عن عقيدتها،(إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً) (البقرة: ١٢٤)، إذن هو قد أمَّ الناس، لكن بالتدبير تحت السطح وبالتدبير الخفي، لا بالتدبير المعلن حتَّى لا يكبَّل حينذاك بأغلال وبمقاومة وبتصفية أنظمة الشرّ، فكانت النتيجة النصر والظفر المؤيَّد من قبل الله تعالى في إنجاز هذا المشروع الإلهي الكبير.
فهذه سنن يستعرضها لنا القرآن الكريم دواليك متتالية في الأنبياء والرسل؛ للتدليل على أنَّ هذه سُنّة إلهية متكرّرة دائبة دائمة، يكرّرها القرآن الكريم لنا في النبيّ إبراهيم وفي النبيّ موسى وفي النبيّ عيسى وختاماً بالمهدي المنتظر عليه السلام، وكذلك في النبيّ يونس عندما استعصى عليه مجتمعه في الإصلاح، فابتعد عليه السلام