الإمام المهدى« عليه السلام» و الظواهر القرآنية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٠٧ - الظاهرة السابعة الإمام المهدي عليه السلام وهجرة الأنبياء وغيبتهم
يبيّن القرآن الكريم ويبرز لنا أنَّ النبيّ إبراهيم عليه السلام حينما أراد أن يقوم بمشروع الإصلاح الإلهي، استعصى عليه المجتمع النمرودي والنظام النمرودي، فأخذ موقع الانسحاب في السطح الظاهر وليس انسحاباً في الواقع؛ لأنَّه عليه السلام لم يترك مجتمعات الشرق الأوسط سدىً وعبثاً، بل استطاع أن يحوّلها من الوثنية إلى الملّة الحنيفية، وهذا مشروع جبّار جدَّاً، فانسحب كما نسمّيه انسحاباً تكتيكياً أو تدبيرياً مؤقّتاً بتوقيت من الله عز وجل، سواء طال أمده كما في النبيّ نوح أو لم يطل كما في غيره من الأنبياء، المهمّ أنَّه في سنن الله تعالى أنَّه في السطح الحسّي المعلن الظاهر قد ينسحب المصلح ويغيب ويهاجر بحسب الإدراك الحسّي، أو بحسب الحياة المعتادة المبصرة بأدوات الحسّ، وإن كان هو ليس بغائب في الحقيقة، فهنا أيضاً يستعرض لنا القرآن الكريم هجرة وغيبة النبيّ إبراهيم عليه السلام، وإن كانت هي غيبة نسبية وليس غيبة مطلقة كما في النبيّ عيسى أو في الإمام المهدي، فما يقصّه لنا القرآن الكريم حول النبيّ إبراهيم:(وَ أَعْتَزِلُكُمْ وَ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) (مريم: ٤٨)، فعندما يستعصى المجتمع للإصلاح في السُنّة الإلهية يتَّخذ المصلح دور الانسحاب في الظاهر، كي لا يصفّى أو يباد أو يسلّم بأيدي جلاوزة نظم الشرّ، فالنبيّ إبراهيم اتَّخذ أسلوب الغيبة النسبية وهو أسلوب الهجرة،(وَ أَعْتَزِلُكُمْ) هو نفس التعبير الذي مرَّ في سورة الصافات:(إِنِّي ذاهِبٌ)، وهذا ليس انكفاءاً وانحساراً حقيقياً من أنبياء الله والمصلحين كما يروق للبعض أن يقول: أين الإمام وخليفة النبيّ الثاني عشر المعدّ للإصلاح؟ وكيف ينكفئ أو ينحسر عن أداء المسؤولية؟ وإنَّما هو تدبير وتكتيك من النشاط في السطح