الإمام المهدى« عليه السلام» و الظواهر القرآنية - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣١١ - الهجرة والغياب الحسّي عن المجتمعات الفاسدة
وليس بحسب الواقع، نظير ما يذكره القرآن الكريم من تحريم الفرار من القتال أو الإدبار بدل الكرّ على الجبهة المقابلة، إلَّا متحرّفاً، فيقول:(وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) (الأنفال: ١٦)، يعني قد يستدبر المقاتل والمقاوم، ولكن ليس لأجل التقاعس، وليس لأجل الفرار، وإنَّما لأجل التحرّف، أي التدبير ورسم الخطّة من جديد لأجل القيام بهذه المهمّة والمسؤولية، فهذا في الواقع ليس انكفاءاً ولا انحساراً حقيقة ولا غياباً حقيقة، وإنَّما هو تدبير جدّي جهدي أكثر جدّية وقوّة وصرامة وجدوائية في القيام بالمسؤولية، وبعد أن رأى قومه أن يقتلوه أو يحرّقوه قال:(إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (العنكبوت: ٢٦)، هنا استشهد النبيّ إبراهيم في هجرته وغيبته عن المجتمع النمرودي لحفظ نفسه ولإنجاز التدبير بشكل أكثر فاعلية وفي خفاء، استشهد بعزّة الله وحكمته وقدرته، يعني أنَّ من عِزّ قدرة الله في تدبير الأمور للمصلحين الإلهيين وحكمته أن ينكفئوا بحسب الظاهر، وإن كانوا بحسب الواقع مقبلين مقدمين لأجل الإنجاز بشكل أكثر جدوائي وأكثر قوّة للمهمّة الموكَّلة إليهم، هذا ما مرَّ في النبيّ إبراهيم. فكما أنَّ الله عز وجل في رفعه للنبيّ عيسى استشهد بأنَّ ذلك من عزّة ومنعة قدرة الله:(بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَ كانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) (النساء: ١٥٨).
إذن هذه الهجرة والسُنّة للغياب سُنّة مشتركة في الأنبياء، ليس لأجل الفرار كما قد يتخيَّل المتخيّلون، وإنَّما لأجل معاودة الإقدام بتدبير أكثر قوّة وأكثر فاعلية، وكذلك في ما استعرضه لنا القرآن الكريم في النبيّ موسى:(فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ) (القصص: ٢١)، هذا الخروج ليس خروج هروب وتقاعس وإلى الأبد، وإنَّما لأجل استعادة القوّة ونظم القوّة والتدبير، لكي يكون الإقدام اللاحق