إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٢ - تمييز الفرائض و السنن
فروحها و حياتها الباطنة الخشوع و النية و حضور القلب و الإخلاص كما سيأتي و نحن الآن في أجزائها الظاهرة،فالركوع و السجود و القيام و سائر الأركان تجرى منها مجرى القلب و الرأس و الكبد،إذ يفوت وجود الصلاة بفواتها،و السنن التي ذكرناها من رفع اليدين و دعاء الاستفتاح و التشهد الأول تجرى منها مجرى اليدين و العينين و الرجلين و لا تفوت الصحة بفواتها كما لا تفوت الحياة بفوات هذه الأعضاء،و لكن يصير الشخص بسبب فواتها مشوه الخلقة مذموما غير مرغوب فيه،فكذلك من اقتصر على أقل ما يجرى من الصلاة كان كمن أهدى إلى ملك من الملوك عبدا حيا مقطوع الأطراف و أما الهيئات و هي ما وراء السنن فتجرى مجرى أسباب الحسن من الحاجبين و اللحية و الأهداب و حسن اللون و أما وظائف الأذكار في تلك السنن فهي مكملات للحسن كاستقواس الحاجبين و استدارة اللحية و غيرها،فالصلاة عندك قربة و تحفة تتقرب بها إلى حضرة ملك الملوك كوصيفة يهديها طالب القربة من السلاطين إليهم،و هذه التحفة تعرض على اللّٰه عز و جل ثم ترد عليك يوم العرض الاكبر ،فإليك الخيرة في تحسين صورتها و تقبيحها،فان أحسنت فلنفسك و ان أسأت فعليها،و لا ينبغي أن يكون حظك من ممارسة الفقه أن يتميز لك السنة عن الفرض فلا يعلق بفهمك من أوصاف السنة الا أنه يجوز تركها فتتركها،فان ذلك يضاهي قول الطبيب:إن فقء العين لا يبطل وجود الإنسان و لكن يخرجه عن أن يصدق رجاء المتقرب في قبول السلطان إذا أخرجه في معرض الهدية،فهكذا ينبغي أن تفهم مراتب السنن و الهيئات و الآداب،
فكل صلاة لم يتم الإنسان ركوعها و سجودها فهي الخصم الأول على صاحبها،تقول ضيعك اللّٰه كما ضيعتني. فطالع الاخبار التي أوردناها في كمال أركان الصلاة ليظهر لك وقعها