إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩١ - تمييز الفرائض و السنن
و أما الاذكار فكلها لا تقتضي سجود السهو إلا ثلاثة:القنوت ،و التشهد الأوّل، و الصلاة على النبي صلّى اللّٰه عليه و سلم فيه ،بخلاف تكبيرات الانتقالات و أذكار الركوع و السجود و الاعتدال عنهما ،لأن الركوع و السجود في صورتهما مخالفان للعادة و يحصل بهما معنى العبادة مع السكوت عن الاذكار و عن تكبيرات الانتقالات،فعدم تلك الأذكار لا تغير صورة العبادة و أما الجلسة للتشهد الأول ففعل معتاد و ما زيدت إلا للتشهد،فتركها ظاهر التأثير.
و أما دعاء الاستفتاح و السورة فتركهما لا يؤثر مع أن القيام صار معمورا بالفاتحة و مميزا عن العادة بها.و كذلك الدعاء في التشهد الأخير و القنوت أبعد ما يجبر بالسجود،و لكن شرع مدّ الاعتدال في الصبح لأجله،فكان كمد جلسة الاستراحة،إذ صارت بالمد مع التشهد جلسة للتشهد الأوّل فبقي هذا قياما ممدودا معتادا ليس فيه ذكر واجب،و في الممدود احتراز عن غير الصبح،و في خلوه عن ذكر واجب احتراز عن أصل القيام في الصلاة فان قلت:تمييز السنن عن الفرائض معقول إذ تفوت الصحة بفوت الفرض دون السنة و يتوجه العقاب به دونها،فأما تمييز سنة عن سنة و الكل مأمور به على سبيل الاستحباب و لا عقاب في ترك الكل و الثواب موجود على الكل فما معناه؟ فاعلم أن اشتراكهما في الثواب و العقاب و الاستحباب لا يرفع تفاوتهما و لنكشف ذلك لك بمثال،و هو:أن الإنسان لا يكون إنسانا موجودا كاملا إلا بمعنى باطن و أعضاء ظاهرة،فالمعنى الباطن هو الحياة و الروح،و الظاهر أجسام أعضائه،ثم بعض تلك الأعضاء ينعدم الإنسان بعدمها كالقلب و الكبد و الدماغ و كل عضو تفوت الحياة بفواته، و بعضها لا تفوت بها الحياة و لكن يفوت بها مقاصد الحياة كالعين و اليد و الرجل و اللسان، و بعضها لا يفوت بها الحياة و لا مقاصدها و لكن يفوت بها الحسن كالحاجبين و اللحية و الأهداب و حسن اللون،و بعضها لا يفوت بها أصل الجمال و لكن كماله كاستقواس الحاجبين و سواد شعر اللحية و الأهداب و تناسب خلقة الأعضاء و امتزاج الحمرة بالبياض في اللون .فهذه درجات متفاوته.فكذلك العبادة صورة صورها الشرع و تعبدنا باكتسابها.