إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥ - الأصل الثامن
أعداؤه،فان أريد بالقبيح ما لا يوافق غرض الباري سبحانه فهو محال،إذ لا غرض له،فلا يتصور منه قبيح،كما لا يتصور منه ظلم،إذ لا يتصور منه التصرف في ملك الغير.و إن أريد بالقبيح ما لا يوافق غرض الغير فلم قلتم إن ذلك عليه محال؟و هل هذا إلا مجرد تشهي يشهد بخلافه ما قد فرضناه من مخاصمة أهل النار؟ثم الحكيم معناه العالم بحقائق الأشياء القادر على فعلها على وفق إرادته،و هذا من أين يوجب رعاية الأصلح ،و أما الحكيم منا يراعي الأصلح نظرا لنفسه ليستفيد به في الدنيا ثناء و في الآخرة ثوابا،أو يدفع به عن نفسه آفة،و كل ذلك على اللّٰه سبحانه و تعالى محال
الأصل الثامن
أن معرفة اللّٰه سبحانه و طاعته واجبة
بإيجاب اللّٰه تعالى و شرعه،لا بالعقل،خلافا للمعتزلة لأن العقل و إن أوجب الطاعة فلا يخلو إما أن يوجبها لغير فائدة و هو محال،فان العقل لا يوجب العبث،و إما أن يوجبها لفائدة و غرض،و ذلك لا يخلو إما أن يرجع إلى المعبود و ذلك محال في حقه تعالى،فإنه يتقدس عن الأغراض و الفوائد،بل الكفر و الإيمان و الطاعة و العصيان في حقه تعالى سيّان.و إما أن يرجع ذلك إلى غرض العبد و هو أيضا محال لأنه لا غرض له في الحال،بل يتعب به و ينصرف عن الشهوات بسببه،و ليس في المآل إلا الثواب و العقاب.و من أين يعلم أن اللّٰه تعالى يثيب على المعصية و الطاعة و لا يعاقب عليهما مع أن الطاعة و المعصية في حقه يتساويان،إذ ليس له إلى أحدهما ميل و لا به لأحدهما اختصاص و إنما عرف تمييز ذلك بالشرع؟و لقد ذل من أخذ هذا من المقايسة بين الخالق و المخلوق حيث يفرق بين الشكر و الكفران لما له من الارتياح و الاهتزاز و التلذذ بأحدهما دون الآخر فإن قيل :فإذا لم يجب النظر و المعرفة إلا بالشرع و الشرع لا يستقر ما لم ينظر المكلف فيه،فإذا قال المكلف للنبيّ:إن العقل ليس يوجب على النظر و الشرع لا يثبت عندي إلا بالنظر،و لست أقدم على النظر،أدّى ذلك إلى إفحام الرسول صلّى اللّٰه عليه و سلم قلنا:هذا يضاهي قول القائل للواقف في موضع من المواضع:إن وراءك سبعا ضاريا فإن لم تبرح عن المكان قتلك،و إن التفتّ و راءك و نظرت عرفت صدقى.فيقول الواقف: