إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢ - الأصل الثالث
قدرة اللّٰه تعالى في الأزل قد كانت متعلقة بالعالم و لم يكن الاختراع حاصلا بها،و هي عند الاختراع متعلقة به نوعا آخر من التعلق.فبه يظهر أن تعلق القدرة ليس مخصوصا بحصول المقدور بها
الأصل الثالث
أن فعل العبد و إن كان كسبا للعبد فلا يخرج عن كونه مرادا للّٰه سبحانه ،فلا يجرى في الملك و الملكوت طرفة عين و لا لفتة خاطر و لا فلتة ناظر إلا بقضاء اللّٰه و قدرته،و بإرادته و مشيئته،و منه الشر و الخير،و النفع و الضر،و الإسلام و الكفر،و العرفان و النكر،و الفوز و الخسران،و الغواية و الرشد،و الطاعة و العصيان،و الشرك و الإيمان،لا رادّ لقضائه، و لا معقب لحكمه،يضل من يشاء و يهدى من يشاء،لا يسأل عما يفعل و هم يسألون.و يدل عليه من النقل قول الأمة قاطبة :ما شاء كان و ما لم يشأ لم يكن ،و قول اللّٰه عز و جل:
(أَنْ لَوْ يَشٰاءُ اللّٰهُ لَهَدَى النّٰاسَ جَمِيعاً) و قوله تعالى: (وَ لَوْ شِئْنٰا لَآتَيْنٰا كُلَّ نَفْسٍ هُدٰاهٰا) و يدل عليه من جهة العقل أن المعاصي و الجرائم إن كان اللّٰه يكرهها و لا يريدها و إنما هي جارية على وفق إرادة العدو إبليس لعنه اللّٰه مع أنه عدو للّٰه سبحانه و الجاري على وفق إرادة العدو أكثر من الجاري على وفق إرادته تعالى،فليت شعري،كيف يستجيز المسلم أن يرد ملك الجبار ذي الجلال و الإكرام إلى رتبة لو ردت إليها رياسة زعيم ضيعة لاستنكف منها!إذ لو كان ما يستمر لعدو الزعيم في القرية أكثر مما يستقيم له لاستنكف من زعامته و تبرأ عن ولايته،و المعصية هي الغالبة على الخلق،و كل ذلك جار عند المبتدعة على خلاف إرادة الحق تعالى.و هذا غاية الضعف و العجز،تعالى رب الأرباب عن قول الظالمين علوا كبيرا.
ثم مهما ظهر أن أفعال العباد مخلوقة للّٰه صح أنها مرادة له فإن قيل:فكيف ينهى عما يريد و يأمر بما لا يريد ؟قلنا الأمر غير الارادة ،و لذلك إذا ضرب السيد عبده فعاتبه السلطان عليه فاعتذر بتمرد عبده عليه فكذبه السّلطان فأراد إظهار حجته بأن يأمر العبد بفعل و يخالفه بين يديه،فقال له:أسرج هذه الدابة بمشهد من السلطان فهو يأمره بما لا يريد امتثاله،و لو لم يكن آمرا لما كان عذره عند السلطان ممهدا،و لو كان مريدا لامتثاله لكان مريدا لهلاك نفسه،و هو محال