إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٩٦ - المعنى الثاني التطهير من صفة البخل
القسم الثاني:درجتهم دون درجة هذا،و هم الممسكون أموالهم المراقبون لمواقيت الحاجات و مواسم الخيرات،فيكون قصدهم في الادخار الإنفاق على قدر الحاجة دون التنعم، و صرف الفاضل عن الحاجة إلى وجوه البر مهما ظهر وجوهها ،و هؤلاء لا يقتصرون على مقدار الزكاة .و قد ذهب جماعة من التابعين إلى أن في المال حقوقا سوى الزكاة كالنخعي و الشعبي و عطاء و مجاهد،قال الشعبي بعد أن قيل له:هل في المال حق سوى الزكاة؟قال:
نعم أما سمعت قوله عز و جل (وَ آتَى الْمٰالَ عَلىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبىٰ) [١]الآية،و استدلوا بقوله عز و جل: (وَ مِمّٰا رَزَقْنٰاهُمْ يُنْفِقُونَ) [٢]و بقوله تعالى: (وَ أَنْفِقُوا مِنْ مٰا رَزَقْنٰاكُمْ) [٣]و زعموا أن ذلك غير منسوخ بآية الزكاة بل هو داخل في حق المسلم على المسلم ،و معناه أنه يجب على الموسر مهما وجد محتاجا أن يزيل حاجته فضلا عن مال الزكاة و الذي يصح في الفقه من هذا الباب أنه مهما أرهقته حاجته كانت إزالتها فرض كفاية، إذ لا يجوز تضييع مسلم،و لكن يحتمل أن يقال ليس على الموسر إلا تسليم ما يزيل الحاجة قرضا،و لا يلزمه بذله بعد أن أسقط الزكاة عن نفسه.و يحتمل أن يقال يلزمه بذله في الحال و لا يجوز له الاقتراض أي لا يجوز له تكليف الفقير قبول القرض،و هذا مختلف فيه و الاقتراض نزول إلى الدرجة الأخيرة من درجات العوام و هي درجة القسم الثالث الذين يقتصرون على أداء الواجب ،فلا يزيدون عليه و لا ينقصون عنه،و هي أقل الرتب .و قد اقتصر جميع العوام عليه لبخلهم بالمال و ميلهم إليه و ضعف حبهم للآخرة،قال اللّه تعالى:
(إِنْ يَسْئَلْكُمُوهٰا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا) [٤] يحفكم أي يستقص عليكم،فكم بين عبد اشترى منه ماله و نفسه بأن له الجنة،و بين عبد لا يستقصى عليه لبخله:فهذا أحد معانى أمر اللّه سبحانه عباده ببذل الأموال
المعنى الثاني:التطهير من صفة البخل
،فإنه من المهلكات
قال صلّى اللّه عليه و سلّم[١] «ثلاث مهلكات شحّ مطاع و هوى متّبع و إعجاب المرء بنفسه» و قال تعالى: (وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [٥]و سيأتي في ربع المهلكات وجه كونه مهلكا،
[١] البقرة:١٧٧
[٢] الأنفال:٣
[٣] المنافقون:١٠
[٤] محمد:٣٧
[٥] التغابن:١٦