إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨٤ - التاسعة صلاة التسبيح
ففي النهى في أوقات الكراهية مهمات ثلاثة:(أحدها)التوقي من مضاهاة عبدة الشمس .و(الثاني)الاحتراز من انتشار الشياطين ،إذ
قال صلّى اللّٰه عليه و سلم[١] إنّ الشّمس لتطلع و معها قرن الشّيطان فإذا طلعت قارنها،و إذا ارتفعت فارقها،فإن استوت قارنها،فإذا زالت فارقها،فإذا تضيّفت للغروب قارنها،فإذا غربت فارقها ، و نهى عن الصلوات في هذه الأوقات و نبه به على العلة.و(الثالث)أن سالكي طريق الآخرة لا يزالون يواظبون على الصلوات في جميع الأوقات،و المواظبة على نمط واحد من العبادات يورث الملل و مهما منع منها ساعة زاد النشاط و انبعثت الدواعي ،و الإنسان حريص على ما منع منه،ففي تعطيل هذه الأوقات زيادة تحريض و بعث على انتظار انقضاء الوقت،فخصصت هذه الأوقات بالتسبيح و الاستغفار ،حذرا من الملل بالمداومة، و تفرجا بالانتقال من نوع عبادة إلى نوع آخر،ففي الاستطراف و الاستجداد لذة و نشاط و في الاستمرار على شيء واحد استثقال و ملال،و لذلك لم تكن الصّلاة سجودا مجردا و لا ركوعا مجردا و لا قياما مجردا،بل رتبت العبادات من أعمال مختلفة و أذكار متباينة، فان القلب يدرك من كل عمل منهما لذة جديدة عند الانتقال إليها،و لو واظب على الشيء الواحد لتسارع إليه الملل.فإذا كانت هذه أمورا مهمة في النهى عن ارتكاب أوقات الكراهة إلى غير ذلك من أسرار أخر،ليس في قوة البشر الاطلاع عليها،و اللّٰه و رسوله أعلم بها.فهذه المهمات لا تترك إلا بأسباب مهمة في الشرع مثل قضاء الصلوات و صلاة الاستسقاء و الخسوف و تحية المسجد،فأما ما ضعف عنها فلا ينبغي أن يصادم به مقصود النهى .هذا هو الأوجه عندنا و اللّٰه أعلم كمل كتاب أسرار الصّلاة من كتاب إحياء علوم الدين،يتلوه إن شاء اللّٰه تعالى كتاب أسرار الزكاة بحمد اللّٰه و عونه و حسن توفيقه،و الحمد للّٰه وحده،و صلاته على خير خلقه محمد و على آله و صحبه و سلم تسليما كثيرا