إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦ - أما المرجئة فقالوا
حكم الدنيا الذي يتعلق بالأئمة و الولاة،من المسلمين،لأن قلبه لا يطلع عليه و علينا أن نظن به أنه ما قاله بلسانه إلا و هو منطو عليه في قلبه،و إنما نشك في أمر ثالث و هو الحكم الدنيوي فيما بينه و بين اللّٰه تعالى،و ذلك بأن يموت له في الحال قريب مسلم ثم يصدق بعد ذلك بقلبه ثم يستفتى و يقول:كنت غير مصدق بالقلب حالة الموت و الميراث الآن في يدي،فهل يحل لي بيني و بين اللّٰه تعالى؟أو نكح مسلمة ثم صدق بقلبه هل تلزمه إعادة النكاح؟هذا محل نظر،فيحتمل أن يقال:أحكام الدنيا منوطة بالقول الظاهر ظاهرا و باطنا،و يحتمل أن يقال:
تناط بالظاهر في حق غيره،لأن باطنه غير ظاهر لغيره،و باطنه ظاهر له في نفسه بينه و بين اللّٰه تعالى.و الأظهر و العلم عند اللّٰه تعالى.أنه لا يحل له ذلك الميراث،و يلزمه إعادة النكاح.
و لذلك كان حذيفة رضى اللّٰه عنه لا يحضر جنازة من يموت من المنافقين،و عمر رضى اللّٰه عنه كان يراعى ذلك منه فلا يحضر إذا لم يحضر حذيفة رضى اللّٰه عنه،و الصلاة فعل ظاهر في الدنيا و إن كان من من العبادات.و التوقي عن الحرام أيضا من جملة ما يجب للّٰه كالصلاة،
لقوله صلّى اللّٰه عليه و سلم:
«طلب الحلال فريضة بعد الفريضة» و ليس هذا مناقضا لقولنا أن الارث حكم الإسلام و هو الاستسلام،بل الاستسلام التام هو ما يشمل الظاهر و الباطن،و هذه مباحث فقهية ظنية تبنى على ظواهر الألفاظ و العمومات و الأقيسة،فلا ينبغي أن يظن القاصر في العلوم أن المطلوب فيه القطع من حيث جرت العادة بإيراده في فن الكلام الذي يطلب فيه القطع،فما أفلح من نظر إلى العادات و المراسم في العلوم
فان قلت:فما شبهة المعتزلة و المرجئة ؟
و ما حجة بطلان قولهم ؟فأقول شبهتهم عمومات القرءان
أما المرجئة فقالوا:
لا يدخل المؤمن النار و إن أتى بكل المعاصي لقوله عز و جل: (فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلاٰ يَخٰافُ بَخْساً وَ لاٰ رَهَقاً) و لقوله عز و جل: (وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّٰهِ وَ رُسُلِهِ أُولٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ) الآية و لقوله تعالى: (كُلَّمٰا أُلْقِيَ فِيهٰا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهٰا ) إلى قوله: (فَكَذَّبْنٰا وَ قُلْنٰا مٰا نَزَّلَ اللّٰهُ مِنْ شَيْءٍ) فقوله: «كُلَّمٰا أُلْقِيَ فِيهٰا فَوْجٌ» عام،فينبغي أن يكون كل من ألقى في النار مكذبا،و لقوله تعالى: (لاٰ يَصْلاٰهٰا إِلاَّ الْأَشْقَى اَلَّذِي كَذَّبَ وَ تَوَلّٰى) و هذا حصر