إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٥ - حكايات و أخبار في صلاة الخاشعين
(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ اَلَّذِينَ هُمْ فِي صَلاٰتِهِمْ خٰاشِعُونَ) [١] فمدحهم بعد الإيمان بصلاة مخصوصة و هي المقرونة بالخشوع ،ثم ختم أوصاف المفلحين بالصّلاة أيضا فقال تعالى: (وَ الَّذِينَ هُمْ عَلىٰ صَلَوٰاتِهِمْ يُحٰافِظُونَ) [٢]ثم قال تعالى في ثمرة تلك الصفات: (أُولٰئِكَ هُمُ الْوٰارِثُونَ اَلَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ) [٣]فوصفهم بالفلاح أوّلا ،و بوراثة الفردوس آخرا.و ما عندي أن هذرمة اللسان مع غفلة القلب تنتهي إلى هذا الحد،و لذلك قال اللّٰه عز و جل في أضدادهم (مٰا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ؟ قٰالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) [٤]فالمصلون هم ورثة الفردوس،و هم المشاهدون لنور اللّٰه تعالى و المتمتعون بقربه و دنوّه من قلوبهم.
نسأل اللّٰه أن يجعلنا منهم،و أن يعيذنا من عقوبة من تزينت أقواله و قبحت أفعاله،إنه الكريم المنان القديم الإحسان و صلّى اللّٰه على كل عبد مصطفى
حكايات و أخبار في صلاة الخاشعين
رضى اللّٰه عنهم
اعلم أن الخشوع ثمرة الإيمان و نتيجة اليقين الحاصل بجلال اللّٰه عز و جل،و من رزق ذلك فإنه يكون خاشعا في الصّلاة و في غير الصّلاة،بل في خلوته،و في بيت الماء عند قضاء الحاجة،فان موجب الخشوع معرفة اطلاع اللّٰه تعالى على العبد،و معرفة جلاله، و معرفة تقصير العبد.فمن هذه المعارف يتولد الخشوع،و ليست مختصة بالصلاة.و لذلك روي عن بعضهم أنه لم يرفع رأسه إلى السماء أربعين سنة حياء من اللّٰه سبحانه و خشوعا له و كان الربيع بن خيثم من شدة غضه لبصره و أطرافه يظن بعض الناس أنه أعمى.و كان يختلف إلى منزل ابن مسعود عشرين سنة،فإذا رأته جاريته قالت لابن مسعود:صديقك الأعمى قد جاء.فكان يضحك ابن مسعود من قولها.و كان إذا دق الباب تخرج الجارية إليه فتراه مطرقا غاضا بصره.و كان ابن مسعود إذا نظر إليه يقول« (وَ بَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ) [٥]أما و اللّٰه لو رآك محمد صلّى اللّٰه عليه و سلم لفرح بك»و في لفظ آخر:لأحبك.و في لفظ آخر:لضحك
[١] المؤمنون:٢
[٢] المؤمنون:٩
[٣] المؤمنون:١١-١٠
[٤] المدثر:٤٢-٤٣
[٥] الحج:٣٤