إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٣ - و أما صلاة الغافلين
و اعلم أن تخليص الصلاة عن الآفات،و إخلاصها لوجه اللّٰه عز و جل،و أداءها بالشروط الباطنة التي ذكرناها من الخشوع و التعظيم و الحياء سبب لحصول أنوار في القلب تكون تلك الأنوار مفاتيح علوم المكاشفة.فأولياء اللّٰه المكاشفون بملكوت السموات و الأرض و أسرار الربوبية إنما يكاشفون في الصلاة ،لا سيما في السجود إذ يتقرب العبد من ربه عز و جل بالسجود ،و لذلك قال تعالى: (وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ) [١]و إنما تكون مكاشفة كل مصل على قدر صفاته عن كدورات الدنيا .و يختلف ذلك بالقوة و الضعف و القلة و الكثرة، و بالجلاء و الخفاء،حتى ينكشف لبعضهم الشيء بعينه،و ينكشف لبعضهم الشيء بمثاله،كما كشف لبعضهم الدنيا في صورة جيفة،و الشيطان في صورة كلب جاثم عليها يدعو إليها، و يختلف أيضا بما فيه المكاشفة،فبعضهم ينكشف له من صفات اللّٰه تعالى و جلاله و لبعضهم من أفعاله،و لبعضهم من دقائق علوم المعاملة،و يكون لتعين تلك المعاني في كل وقت أسباب خفية لا تحصى،و أشدها مناسبة الهمة،فإنها إذا كانت مصروفة إلى شيء معين كان ذلك أولى بالانكشاف و لما كانت هذه الأمور لا تتراءى إلا في المرائي الصقيلة،و كانت المرآة كلها صدئة، فاحتجبت عنها الهداية لا لبخل من جهة المنعم بالهداية،بل لخبث متراكم الصدأ على مصب الهداية تسارعت الألسنة إلى إنكار مثل ذلك،إذ الطبع مجبول على إنكار غير الحاضر و لو كان للجنين عقل لأنكر إمكان وجود الإنسان في متسع الهواء.و لو كان للطفل تمييز ما ربما أنكر ما يزعم العقلاء إدراكه من ملكوت السموات و الأرض.و هكذا الإنسان في كل طور يكاد ينكر ما بعده.و من أنكر طور الولاية لزمه أن ينكر طور النبوّة،و قد خلق الخلق أطوارا ،فلا ينبغي أن ينكر كل واحد ما وراء درجته.نعم لما طلبوا هذا من المجادلة و المباحثة المشوّشة و لم يطلبوها من تصفية القلوب عما سوى اللّٰه عز و جل،فقدوه فأنكروه و من لم يكن من أهل المكاشفة فلا أقل من أن يؤمن بالغيب و يصدق به إلى أن
[١] العلق:١٩