شرح التّسهيل المسمّى تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد - ناظر الجيش - الصفحة ٢٧٢ - ٢٣٥١ ـ من لد شولا فإلى إتلائها
.................................................................................................
______________________________________________________
يقال : إنها لابتداء الارتفاع في نحو : أفضل منه ، أو الانحطاط في نحو : شر منه ، كما زعم سيبويه [١] ؛ إذ لو كان الابتداء [٣ / ١٧٤] مقصودا لجاز أن يقع بعدها «إلى». وقد أشار سيبويه إلى أن ابتداء الغاية قد يقصد دون إرادة منتهى فقال : وتقول : ما رأيته مذ يومين ؛ فجعلتها غاية ، كما قلت : أخذته من ذلك المكان ؛ فجعلته غاية ولم ترد منتهى [٢]. هذا نصه.
والصحيح أن «من» في نحو : أخذته من ذلك المكان ؛ للمجاوزة ، إذ لو كان الابتداء مقصودا مع «أخذت» كما هو مقصود مع «حملت» في قولك : حملته من ذلك المكان ؛ لصدق على استصحاب المأخوذ «أخذ» كما يصدق على استصحاب المحمول «حمل». وأما «مذ» في : ما رأيته مذ يومين ، ونحوه ؛ فقد جعلها بعضهم بمعنى «في» ، وليس كذلك ؛ لأن المراد بـ : ما رأيته مذ يومين ، ونحوه ؛ نفي الرؤية في مدة أتيت في آخرها ، والابتداء والانتهاء مقصودان واليومان معينان ، ولو جيء بـ «فى» مكان «من» لم يفهم تعين ولا ابتداء ولا انتهاء ، وقد تقع «من» موقع «مذ» في مثل هذا كقول النبي صلىاللهعليهوسلم لفاطمة رضي الله تعالى عنها : «هذا أوّل طعام أكله أبوك من ثلاثة أيّام» ، فلو كان المجرور بـ «مذ» ، أو «منذ» حاضرا غير مثنى ولا مجموع ؛ صح قصد معنى «في» ، كقوله عليه الصلاة والسّلام للملكين عليهماالسلام : «طوّفتماني منذ اللّيلة» [٣]. وأشار سيبويه إلى أن «من» الزائدة قصد بها التبعيض ؛ لأنه قال ـ بعد تمثيله بـ : ما أتاني من رجل ـ : أدخلت «من» ؛ لأن هذا موضع تبعيض فأراد أنه لم يأت بعض الرجال [٤] ، هكذا قال. يريد أن «من» دلت على شمول الجنس فلكل بعض منه قسط من المنسوب إلى جميعها ؛ فالتبعيض على هذا التقدير مقصود. وهذا غير مرض ؛ لأنه يلزم منه أن تكون ألفاظ العموم للتبعيض ، وإنما المقصود بزيادة «من» في نحو : ما أتاني من رجل ؛ جعل المجرور بها نصّا في العموم ، وإنما تكون للتبعيض إذا لم يقصد عموم ، وحسن في موضعها «بعض» نحو : (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ)[٥] ، و (مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ)[٦] ، ـ
[١]الكتاب (٤ / ٢٢٥ ، ٢٢٧).
[٢]الكتاب (٤ / ٢٢٦).
[٣]البخاري : جنائز (٩٣) وابن حنبل (٥ / ١٤).
[٤]الكتاب (٤ / ٢٢٥).
[٥] سورة البقرة : ٨.
[٦] سورة آل عمران : ١١٠.