شرح التّسهيل المسمّى تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد - ناظر الجيش - الصفحة ٢٨٣ - ٢٣٥١ ـ من لد شولا فإلى إتلائها
.................................................................................................
______________________________________________________
ومنه قولهم : مات من علته ، وضحك زيد من كلام عمرو ، وغضب مما قيل ، ومنه على أحد القولين قوله تعالى : (أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)[١] أي : بسبب الخوف ، والقول الآخر : إن كلّا من الفعلين اللّذين هما (أطعمهم) (وآمنهم) ضمن معنى خلصهم ؛ التقدير : خلصهم بالإطعام من جوع ، وبالأمن من خوف.
ومنها : كونها للبدل وهذا المعنى فيه منازعة. وكان المغاربة لا يثبتونه ، وقد تقدم استدلال المصنف على ذلك ، ومن الأدلة أيضا قوله تعالى : (أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ)[٢] أي بدل الآخرة ، وهو استدلال ظاهر ، ومن تأول ذلك فقد أبعد. وأما قول الزمخشري [٣] إن المعنى : لولّدنا منكم ففي غاية البعد وكذا القول الذي ذكره أبو البقاء [٤] وهو أن المعنى : لحوّلنا بعضكم ملائكة. ولا شك أن القول بأن «من» للبدل أسهل من ذلك كله وأن المعنى عليه.
ومنها : كونها للمجاوزة وقد عرفت أن المصنف جعلها مع أفعل التفضيل للمجاوزة فإذا قيل : زيد أفضل من عمرو ؛ فكأنه قيل : جاوز زيد عمرا في الفضل أو الانحطاط ، وجعل القول بذلك أولى من القول بأنها لابتداء غاية الارتفاع في نحو : أفضل منه ، أو الانحطاط في نحو : شر منه ، كما زعم سيبويه. قال [٥] : إذ لو كان الابتداء مقصودا لجاز أن يقع بعدها «إلى» ، ثم قال : وقد أشار سيبويه إلى أن ابتداء الغاية قد يقصد دون إرادة منتهى ، إلى آخر ما ذكره. ثم قال : وأشار أيضا ـ يعني سيبويه ـ إلى قصد التبعيض بالمصاحبة «أفعل» التفضيل فقال في «هو أفضل من زيد» : «فضّله على بعض ولم يعم. وقد عرفت أن المصنف نازع سيبويه في الأمرين ـ أعني كون المصاحبة لـ «أفعل» التفضيل لابتداء الغاية أو للتبعيض ـ وأن المصنف اختار أنها للمجاوزة.
قال الشيخ : اختلف النحويون في «من» بعد أفعل التفضيل نحو : زيد أفضل من عمرو ؛ فذهب سيبويه إلى أنها لابتداء الغاية ولا تخلو من التبعيض ، وذهب المبرد [٦] إلى أنها لابتداء الغاية دون تبعيض ، ومنع ابن ولاد [٧] أن تكون «من» لابتداء الغاية ؛ ـ
[١] سورة قريش : ٤.
[٢] سورة التوبة : ٣٨.
[٣]الكشاف (٤ / ٢٠٦).
[٤]التبيان (٢ / ١١٤١).
[٥]الكتاب (٤ / ٢٢٤) وما بعدها.
[٦]المقتضب (١ / ٤٤ ، ٤٥) ، ومعه الأخفش الصغير. راجع التذييل (٤ / ٢).
[٧]وانظر : الهمع (٢ / ٣٦). وابن ولاد : أبو العباس أحمد بن محمد بن ولاد ، ورث النحو عن أبيه وجده ، من مصنفاته : الانتصار لسيبويه من المبرد ، والمقصور والممدود وغيرهما (ت : ٣٣٢ ه) راجع : الإنباه (١ / ٩٩).