شرح التّسهيل المسمّى تمهيد القواعد بشرح تسهيل الفوائد - ناظر الجيش - الصفحة ٢٨١ - ٢٣٥١ ـ من لد شولا فإلى إتلائها
.................................................................................................
______________________________________________________
من قولك : «درهما» ، وأما «من» في هذا المثال فلا شبهة أنها لابتداء الغاية.
البحث الثاني :
كون «من» لبيان الجنس معروف وعليه الأكثرون. والمغاربة ينازعون في ذلك ، والمنقول عن الشلوبين [١] أنه ينكر أن تكون للبيان بالوضع قال : «وإن وجد ذلك فيها فإنما هو بالانجرار». انتهى ، ولا شك أن من قال : إنها لابتداء الغاية خاصة ؛ يلزم من قوله منع كونها للبيان. قال ابن عصفور : استدل القائلون بذلك بقوله تعالى : (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ)[٢] ؛ لأن الأوثان كلها رجس ، وإنما أتى بـ «من» ليبين بما بعدها الجنس الذي قبلها كأنه قيل : فاجتنبوا الرجس التي هي الأوثان أي : اجتنبوا الرجس الوثني ، وبقوله تعالى : (وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ)[٣] ؛ لأن المعنى : وعد الله الذين هم أنتم ؛ لأن الخطاب إنما هو للمؤمنين ، وبقوله تعالى : (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ)[٤] أي : من جبال هي برد ؛ لأن الجبال هي البرد لا بعضها ، ثم أجاب عن الأول ـ وهو لأبي علي الشلوبين ـ بأنه يتخرج على أن يكون المراد بالرجس : عبادة الوثن ؛ فكأنه قيل : فاجتنبوا من الأوثان الرجس الذي هو العبادة ؛ لأن المحرم من الأوثان إنما هو عبادتها. قال : وتكون «من» غاية مثلها في قوله : أخذت من التابوت ؛ ألا ترى أن اجتناب عبادة الأوثان ابتداؤه وانتهاؤه في الوثن ، وعن الثاني بأن «من» للتبعيض ويكون الخطاب عامّا للمؤمنين وغيرهم ، وعن الثالث بأن «من» (مبعضة) [٥] ويكون المعنى مثله إذا جعلت لتبيين الجنس ، وذلك بأن يكون [٣ / ١٧٧] قوله تعالى : (من جبال) بدلا من (السماء) لأن السماء مشتملة على الجبال التي فيها كأنه قيل «وينزل من جبال في السماء ، ويكون (من برد) بدلا من الجبال بدل شيء من شيء ، كأنه قيل : وينزل من برد في السماء ، ويكون من قبيل ما أعيد فيه العامل مع البدل [٦]. انتهى.
وأما ما استدل به المصنف وهو قوله تعالى : (يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ
[١] هو عمر بن محمد بن عمر بن عبد الله الأستاذ أبو علي إمام عصره بلا مدافع ، له تعليقات على الكتاب وشرحان على الجزولية والتوطئة (ت : ٦٤٥ ه).
[٢] سورة الحج : ٣٠.
[٣] سورة النور : ٤٣.
[٤] سورة النور : ٥٥.
[٥] الأصل : «للتبعيض».
[٦] شرح الجمل.