فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١١٩ - دراسة لمفهوم العدالة الفقهي الشيخ حسن العبدي
ظاهر كلام الشيخ وابن البرّاج : أنّ التستّر ممّا يثبت به العدالة ، وليس مأخوذاً في مفهومه . والأمر كذلك ، وتدلّ عليه رواية ابن أبي يعفور المتقدّمة .
لكن هنا نواجه سؤالاً حول ما هي العلاقة بين الحضور في جماعة المسلمين للصلوات الذي عدّه (عليه السلام) طريقاً الي العلم بعدالة الشخص وبين التستّر ؟
والجواب : لقد قلنا إنّ العدالة من المفاهيم ذات المراتب ؛ المرتبة الاُولى هي ترك جميع العيوب وإتيان جميع الواجبات ، والمرتبة الثانية هي ترك الكبائر والاستغفار عقيب إتيان الصغائر . وعليه لا شك في أنّ من يأتي بجميع واجباته ويترك جميع الذنوب لا يكون ظاهره إلا حسناً لا يحتاج التستّر ، وأمّا من يرتكب الصغيرة أحياناً مع أنّه لا إصرار له على ارتكاب ذلك ، فنفس صدور الذنب عيبٌ وعثرة له ويلوّث ظاهره إلا أن يتّخذ لذنبه ساتراً من التوبة والاستغفار . فما ورد في الروايات من لزوم التستّر فهو ناظرٌ الي المرتبة الدانية من العدالة ، ويكون حضور صلاة الجماعة طريقاً الي كشف هذه المرتبة من العدالة في الشخص . ويدلّ على ذلك التعبير بـ« ساتراً لجميع عيوبه » كما في رواية ابن أبي يعفور المتقدّمة .
فالحاصل : إنّ ما يعمّ كلتا المرتبتين للعدالة هو كون الشخص « عُرف بالصلاح » كما في صحيحة عبدالله بن المغيرة قال : قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام) رجل طلّق امراته وأشهد شاهدين ناصبيين ؟ قال : « كلّ من ولد على الفطرة وعرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته » (٥٦) .
إذن ، لا تبعد دعوى وجود الملازمة العرفية بين التستّر والمعروفية بالصلاح ؛ فإنّ من يستر عيوبه يكون ظاهره حسناً أيضاً ، ومن ثَمّ يکون التستّر ومعروفية الشخص بالصلاح كاشفة عن عدالته (٥٧) .
(٥٦) الحرّ العاملي ، محمّد بن الحسن ، وسائل الشيعة ٢٧ : ٣٩٣ ، ب ٤١ من الشهادات ، ح ٥ .
(٥٧) وأمّا ما ادّعاه بعض الأساطين من کفاية حسن الظاهر ـ مثل السيد محمّد کاظم الطباطبائي في العروة الوثقي حيث قال : « العدالة ملکة الاجتناب عن الکبائر وعن الإصرار على الصغائر وعن منافيات المروّة الدالّة على عدم مبالاة مرتکبها بالدين . ويکفي حسن الظاهر الکاشف ظنّاً عن تلك الملکة » فإن کان يرجع الي ما قلناه من اعتبار التستّر فلا بأس به ، وإلا فلا شاهد عليه من الروايات . نعم ، هناك روايات بين ضعيفة السند وبين مرسلة لا يمکن الاعتماد عليها .