موسوعة العتبات المقدسة - الخليلي، جعفر - الصفحة ٢٩٦ - سكة حديد الحجاز
حتى ذلك الوقت مضطرا إلى استعمال طريق البحر المارة بقناة السويس و تحمل بطئها و كثرة تكاليفها. أما الآن فقد غدا صاحب خط حديدي يمتد كله في ضمن مملكته، فراح يتطلع إلى اليوم الذي يستطيع فيه تمديد الخط جنوبا إلى مكة و ربما إلى أبعد من مكة ليثبت قدمه في بلاد اليمن المضطربة.
و مع ذلك، كان من أكبر النتائج لمدّ سكة حديد الحجاز، و لعلها نتيجة لم تخطر على بال عبد الحميد في البداية، أنها بتسهيلها أسباب السفر و الانتقال بين مكان و آخر ساعدت على سريان الأفكار في الأجزاء الغربية من بلاد العرب. إذ كانت القوافل السريعة قبل تسيير الخط الحجازي تقطع المسافة ما بين دمشق و المدينة في أربعين يوما على الأقل، بينما كان السفر بالبحر من بلاد الشام إلى الحجاز يستغرق عشرة أيام أو خمسة عشر يوما، و يتوقف على وجود المراكب المسافرة أو عدمه. لأن سير الخط لم يكن منتظما، فقرّبت سكة الحديد المسافة بين المدينتين حتى جعلتها لا تتجاوز خمسة أيام، فكان لهذا الاختصار في الطريق كما سيتضح لنا فيما بعد أثر كبير جدا في توجيه الحركة العربية و مصيرها عندما أتتها الفرصة للانفجار في ثورة علنية.
و قد كتب [١] السفير البريطاني لدى الباب العالي في تقريره السنوي لعام ١٩٠٧ ما يأتي: .. يمكننا أن نقرر بأنه بين حوادث السنوات العشر الأخيرة على الأقل يوجد عنصران بارزان في الموقف السياسي العام: الأول هو خطة السلطان الماهرة التي استطاع أن يظهر بها أمام ثلاث مائة مليون من المسلمين في ثوب الخليفة الذي هو الرئيس الروحي في الدين الأسلامي، و أن يقيم لهم البرهان على قوة شعوره الديني و غيرته الدينية ببناء سكة حديد الحجاز التي ستمهد الطريق في القريب العاجل أمام كل مسلم للقيام بفريضة
[١] نقلا عن:
Gooch TemPerley--British Documents on the
Origins of the War,Vol,V. P,٣٤.