دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٩٣ - تعلّق الأحكام بالعناوين الذهنيّة
الصورة الذهنية، لا على الموضوع الحقيقيّ للحكم؛ لأنّ الحكم لَمَّا كان أمراً ذهنياً فلا يمكن أن يتعلّق إلّا بما هو حاضر في الذهن، و ليس ذلك إلّا الصورة الذهنية، و هي و إن كانت مباينةً للموضوع الخارجيّ بنظرٍ و لكنّها عينه بنظرٍ آخر [١]، فأنت إذا تصوّرت (النار) ترى بتصوّرك ناراً،
[١] هذا الكلام إلى آخره جوابٌ عن إشكال مقدّر حاصله: أنّ الحاكم إذا كان يصبّ حكمه دائماً على الصورة الذهنيّة لا على الموضوع الخارجي للحكم فكيف يصحّ له أن يحكم على ما في الذهن بما هو ثابت للموضوع الخارجي من خصوصيّات، كالحكم على النار بأنّها حارّة، فإنّ الصورة الذهنيّة عن النار ليست حارّة و إنّما النار الخارجيّة حارّة، فكيف يصبّ الحاكم حكمه في مثل ذلك على الصورة الذهنيّة؟ و كذلك يقال في وجوب إكرام الفقير فإنّ المطلوب هو إكرام الفقير في الواقع الخارجي لا الصورة الذهنيّة عن إكرام الفقير، فكيف يصبّ الحاكم حكمه بالوجوب- إنشاءً أو إخباراً- على الصورة الذهنيّة عن إكرام الفقير؟ و هكذا.
و حاصل الجواب أنّ بالإمكان ملاحظة الصورة الذهنيّة بنظرةٍ تبدو معها و كأنّها عين الموضوع الخارجي فيصحّ الحكم عليها بما هو ثابت للموضوع الخارجي.
توضيح ذلك: أنّ الصورة الذهنيّة التي تحصل في الذهن عن الشيء الخارجي و إن كانت في حقيقتها الواقعيّة مغايرة للشيء الخارجي تغايراً حقيقيّاً لكنّ هذا التغاير لا يشعر به الإنسان إلّا إذا ألقى على تلك الصورة الذهنيّة نظرةً ثانويّة فاحصة، أمّا إذا اكتفى بالنظرة التصوّريّة الأوّليّة للشيء فلا يرى بها إلّا ذات ذلك الشيء و لا يلتفت إلى التغاير الموجود بين الصورة الذهنيّة و الموضوع الخارجي، و هذا يعني أنّ هناك نظرتين يمكن ملاحظة الصورة الذهنيّة بكلّ منهما:
الاولى: النظرة التصوّريّة الساذجة، و هي التي تكون مرآةً للخارج و فانيةً فيه. و الصورة الذهنيّة عن الخارج تبدو- بهذه النظرة- و كأنّها عين الخارج، فإذا أحضر الإنسان صورة الشيء في ذهنه بهذه النظرة وجد من حقّه أن يحكم عليها بالأحكام الثابتة للموضوع الخارجي، لأنّه يراها حينئذٍ متّحدةً مع الخارج.
و الثانية: النظرة الثانويّة التصديقيّة، و هي النظرة التي قد يلقيها الإنسان على الصورة الذهنيّة الأوّليّة عن الشيء لغرض الفحص عنها و استكشاف حقيقتها. و الصورة الذهنيّة عن الخارج تبدو- بهذه النظرة- مغايرةً للموضوع الخارجي تغايراً حقيقيّاً، فإذا أحضر الإنسان صورة الشيء في ذهنه و ألقى عليها هذه النظرة الثانويّة لم يجد من حقّه أن يحكم عليها بالأحكام الثابتة للموضوع الخارجي لأنّه يراها- حينئذٍ- مغايرةً للخارج.
وعليه فإذا أراد الحاكم أن يحكم على الشيء بالأحكام الثابتة للموضوع الخارجي- كالحكم على النار بأنّها محرقة، أو الحكم على الإكرام بأنّه واجب، أو غير ذلك- أمكنه ذلك بإحضار الصورة الذهنيّة عن ذلك الشيء بالنظرة الاولى التي تبدو معها الصورة الذهنيّة متّحدةً مع الموضوع الخارجي، فإنّ هذا يكفي للحكم عليها بما هو ثابت للموضوع الخارجي، بالرغم من أنّها مغايرة له بحسب النظرة الثانية.
هذا مفاد أصل الفكرة التي جاءَت في المتن.
يبقى علينا بعد ذلك أن نوضّح مصطلحي الحمل الأوّلي و الحمل الشائع الواردين في المتن، فقد أردف السيّد الشهيد (رحمه الله) النظرة التصوّريّة الأوّليّة بتعبير (الحمل الأوّلي) كما أردف النظرة التصديقيّة الثانويّة بتعبير (الحمل الشائع) و بمقتضى ذلك ستكون النار في قول القائل: «النار حارّة» ملحوظةً بلحاظ الحمل الأوّلي، لأنّها منظورة بالنظرة التصوّريّة الأوّليّة، كما ستكون النار في قول القائل: «النار كلّيّ» ملحوظةً بلحاظ الحمل الشائع، لأنّها منظورة بالنظرة التصديقيّة الثانويّة، و هذا قد يبدو على خلاف المصطلح الجاري لدى علماء المنطق، و لكنّ الراجح عندي أنّ السيّد الشهيد (رحمه الله) لم يخالف علماء المنطق في أصل المعنى المصطلح عليه لهذين الاصطلاحين، و إن خالفهم في كيفيّة تطبيقه على موارده، و هذا ما يحتاج إلى توضيح، و قد خصّصنا لتوضيح ذلك أحد الملاحق التي وضعناها في نهاية هذا الجزء من الكتاب، و هو الملحق رقم (٢) فلاحظ