دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٩٠ - القضية الحقيقية و الخارجية للأحكام
[٣-] و من الفوارق المترتّبة على ذلك: أنّ الوصف الدخيل في الحكم في باب القضايا الحقيقية إذا انتفى ينتفي الحكم؛ لأنّه مأخوذ في موضوعه. و إن شئت قلت: لأنّه شرط، و الجزاء ينتفي بانتفاء الشرط، خلافاً لباب القضايا الخارجية، فإنّ الأوصاف ليست شروطاً، و إنّما هي امور يتصدّى المولى لإحرازها فتدعوه إلى جعل الحكم [١].
[١] يبدو أنّ هذا الفرق أيضاً بين القضيّة الحقيقيّة و القضيّة الخارجيّة اعتبره السيّد الشهيد (رحمه الله) من الفوارق ذات الأثر العملي، و أشار إلى أثره العملي بقوله: «فإذا أحرز المولى تديّن أبناء العمّ ...» و حاصله أنّ مقتضى كون الوصف الدخيل في الحكم بمنزلة الشرط في القضيّة الحقيقيّة بحيث ينتفي الحكم بانتفائه، أنّ تبعات تشخيص الوصف في الأفراد ليس بعاتق المولى بل هي بعاتق المكلّف، فلو أخطأ المكلّف في التشخيص و تخيّل انتفاء الوصف عن فرد من الأفراد مثلًا فلم يمتثل فيه الحكم، كان هو المسئول عن تبعات ذلك إن كانت له تبعات من تداركٍ أو قضاءٍ أو نحو ذلك. و مقتضى عدم كون الوصف بمنزلة الشرط في القضيّة الخارجيّة، بل هو أمرٌ يتصدّى المولى لإحرازه، أنّ تبعات تشخيص الوصف في الأفراد بعاتق المولى نفسه و ليس بعاتق المكلّف، فلو أخطأ المولى في تشخيص ذلك الوصف- على فرض إمكان الخطأ فيه- فتخيّل ثبوت الوصف في فرد من الأفراد، فجعل فيه الحكم، و لم يكن الوصف ثابتاً فيه في الواقع، كان هو المسئول عن تبعات ذلك، بمعنى أنّ المكلّف سيجب عليه امتثال ذلك الحكم رغم عدم مطابقته للملاكات الواقعيّة، و ربما يكون الملاك الواقعي على خلاف ذلك، و لا يتحمّل المكلّف مسئوليّة ذلك أبداً، لأنّه بسبب المولى لا بسبب العبد.
و بهذا التوضيح ظهر الفرق بين الثمرة العمليّة التي جعلها السيّد الشهيد (رحمه الله) تابعةً لهذا الفرق الأخير بين القضيّة الحقيقيّة و القضيّة الخارجيّة، و بين الثمرة التي جعلها تابعةً للفرق السابق، حيث أنّ الثمرة التي جعلها تابعةً للفرق السابق كان عبارةً عن أصل التصدّي لتشخيص الوصف، و هل هو بعاتق المولى أو بعاتق العبد، و أمّا الثمرة التي جعلها تابعةً لهذا الفرق الأخير فهو عبارة عن تحمّل مسئوليّة هذا التشخيص و تبعاته، و أنّه بعاتق المولى أو بعاتق العبد.
و لا يخفى أنّ هذه الفوارق و ثمراتها مترابطة جدّاً و مترتّبٌ بعضها على بعض، و ليس التمييز بينها و تحديد ثمرة كلّ واحد منها مبنيّاً على الدقّة العقليّة و الاستقلال في النظر إلى كلّ فرقٍ من تلك الفوارق، بل هو مبني على كثير من التسامح و السعة في النظر إليها