دروس في علم الأصول؛ الحلقة الثالثة - ط مجمع الفكر - الصدر، السيد محمد باقر - الصفحة ٤٩ - الحكم الواقعي و الظاهري
و قد مرَّ بنا في الحلقة السابقة [١] أنّ مرحلة الثبوت للحكم- الحكم الواقعيّ- تشتمل على ثلاثة عناصر، و هي: الملاك، و الإرادة، و الاعتبار. و قلنا: إنّ الاعتبار ليس عنصراً ضروريّاً، بل يستخدم غالباً كعملٍ تنظيميٍّ و صياغي.
و نريد أن نشير الآن إلى حقيقة العنصر الثالث الذي يقوم الاعتبار بدور التعبير عنه غالباً [٢].
و توضيحه: أنّ المولى كما أنّ له حقَّ الطاعة على المكلّف فيما يريده منه كذلك له حقّ تحديد مركز حقّ الطاعة في حالات إرادته شيئاً من المكلّف، فليس ضرورياً- إذا تمّ الملاك في شيءٍ و أراده المولى- أن يجعل نفس ذلك الشيء في عهدة المكلّف مصبّاً لحقّ الطاعة، بل يمكنه أن يجعل مقدمة ذلك الشيء- التي يعلم المولى بأنّها مؤدِّية إليه- في عهدة المكلّف دون نفس الشيء، فيكون حقّ الطاعة منصبّاً على المقدّمة ابتداءً، و إن كان الشوق المولويّ غير متعلّقٍ بها إلّا تبعاً [٣]. و هذا يعني أنّ حقّ الطاعة ينصبّ على ما يحدّده المولى- عند
[١] ضمن مباحث التمهيد، تحت عنوان: مبادئ الحكم التكليفي
[٢] الظاهر أنّ قيد الغلبة هنا راجع إلى أصل قيام الاعتبار بدور التعبير عن العنصر الثالث، لا إلى كونه معبّراً عن هذا العنصر، فإنّ الاعتبار متى ما كان قائماً و صادراً من المولى فهو يؤدّي دور التعبير عن العنصر المذكور، و ليس أداؤه لهذا الدور و تعبيره عنه غالبيّاً، و إنّما أصل قيامه لأجل أداء هذا الدور غالبيّ و ليس دائميّاً، كما مضى
[٣] فمثلًا لو تعلّق الشوق المولوي من حيث الأساس بسقي الحديقة فليس من الضروري أن يأمر بفعل السقي و يجعله في عهدة المكلّف مباشرةً، بل يمكنه أن يأمر بفتح مجرى الماء الذي يؤدّي إلى سقي الحديقة مثلًا، فيتركّز حقّ الطاعة حينئذٍ في هذه المقدّمة و إن لم يعرف العبد المركز الأصلي الذي تعلّقت به الإرادة المولويّة من حيث الأساس. و قد يكون كثير من الأحكام الشرعيّة من هذا القبيل، فمثلًا بالنسبة إلى وجوب الصلاة قد يكون المركز الأصلي للإرادة المولويّة هو بعض الآثار و النتائج المترتّبة على الصلاة- كالانتهاء عن الفحشاء و المنكر مثلًا- لكنّ اللَّه تبارك و تعالى ركّز حقّ طاعته على فعل الصلاة و اتّخذ الجعل الاعتباري للوجوب وسيلةً للكشف عن المصبّ الذي عيّنه لحقّ طاعته